تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤

الليلة التاسعة والعشرون

قال الوزير - أعزّ اللّه نصره ، وأطاب ذكره ، وأطار صيته - ليلة : أحبّ أن أسمع كلاما في قول اللّه عزّ وجلّ :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] ، فإنّ هذا الإيجاز لم يعهد في كلام البشر . فكان من الجواب : إنّ الإشارة في « الأوّل » إلى ما بدأ اللّه به من الإبداع والتّصوير ، والإبراز والتّكوين ، والإشارة في « الآخر » إلى المصير إليه في العاقبة على ما يجب في الحكمة من الإنشاء والتّصريف ، والإنعام والتعريف ، والهداية والتوقيف . وقد بان بالاعتبار الصحيح أنّه عزّ وجلّ لمّا كان محجّبا عن الأبصار ، ظهرت آثاره في صفحات العالم وأجزائه ، وحواشيه وأثنائه ، حتى يكون لسان الآثار داعيا إلى معرفته ، ومعرفته طريقا إلى قصده ، وقصده سببا للمكانة عنده والحظوة لديه . على أنّه في احتجابه بارز ، كما أنّه في بروزه محتجب ، وبيان هذا أنّ الحجاب من ناحية الحسّ والبروز من ناحية العقل ، فإذا طلب من جهة الحسّ وجد محجوبا ، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا ، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى ، ولكنها للإنسان الذي له الحسّ والبروز من ناحية العقل ، فإذا طلب من جهة الحسّ وجد محجوبا ، وإذا لحظ من جهة العقل وجد بارزا ، وهاتان الجهتان ليستا له تعالى ، ولكنها للإنسان الذي له الحسّ والعقل ، فصار بهما كالناظر من مكانين ، ومن نظر إلى شيء واحد من مكانين كانت نسبته إلى المنظور إليه مفترقة . وإنما شقّ هذا الأمر على أكثر الناس واختلفوا فيه ، لأنّهم راموا تحقيق ما لا يحسّ بالحسّ ، ولو راموا ذاك بالعقل المحض بغير شوب من الحسّ ، لكان المروم يسبق الرّائم ، والمطلوب يلوح قبالة الطّالب من غير شكّ لابس ، ولا ريب موحش ، لأنه ليس في العقل والمعقول شكّ ، وإنما الرّيب والشّكّ والظّنّ والتّوهّم كلّها من علائق الحسّ وتوابع الخلقة ، ولولا هذه العوارض لما اغبرّ وجه العقل ، ولا علاه شحوب ، ولبقي على نضرته وجماله وحسنه وبهجته . ولمّا كان الإنسان مفيض هذه الأعراض في الأوّل ، صار مفيض هذه الأحوال في الثاني ، فاستعار من العقل نوره في وصف الأشياء الجسميّة جهلا منه وخطأ ، واستعار من ظلام الحسّ في وصف الأشياء الرّوحانيّة عجزا منه ونقصا ، ولو وفّق لوضع كلّ شيء موضعه ونسبه إلى شكله ، ولم يرفع الوضيع إلى محلّ الرّفيع ، ولم يضع الرّفيع في موضع الوضيع . فلمّا بلغ الحديث هذا الحدّ ، عجب الوزير وقال : ما أعذب هذا المورد ! وما