تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وأبو سليمان يقول : الأمور مقسومة على الحدود الطبيعيّة والقوى النفسيّة والبسائط العقليّة والغرائب الإلهيّة ، فبالواجب ، ما كان هاهنا مألوف له نسبة إلى الطبيعة ، ونادر له نسبة إلى النفس ، وبديع له نسبة إلى العقل ، وغريب له نسبة إلى الإله ، والفلتات في الأحوال من هذا القبيل ، أعني ما يتخلّل هذه المراتب . فقال له البخاريّ : أيقال لما يصدر عن الإله فلتة ؟ قال : بحسب مصيره إلينا ، ووصوله إلى عالمنا ، لا بحسب صدوره عن الباري ، فليس هناك هذا ولا ما يشبه ، لأنّ هذه السّمات لحقت المركّبات ، من الأوائل المزدوجات ، والثّواني المكرّرات ، والثوالث المحقّقات ، والرّوابع المتمّمات ، والخوامس المدبّرات ، والسوادس المضاعفات ، والسوابع الظّاهرات ، والثوامن المعقّبات ، والتواسع العاليات ، والعواشر الكاملات ، وما بعد العواشر داخل في المكرّرات . قال له البخاريّ مستزيدا : أكان التّوفيق من الاتفاق ؟ فقال : هما يتوحّدان من وجه ، ويفترقان من وجه ، فوجه توحّدهما أنّ الاتّفاق وليد التوفيق ، والتّوفيق غاية الاتّفاق ، ووجه افتراقهما أنّ الاتّفاق يبرز إلى الحسّ ، وأصحابه يشتركون في التعجّب منه ، والاستطراف له ، والتّوفيق يستر عن الحسّ ، ولهذا لا تسلك مسالكه . وأما الوفاق والموافقة والتوفيق والاتّفاق فمتلابسة المعاني ، ولمّا لم يكن بين المعنى والمعنى مسافة محصّلة حسب هذا في حيّز هذا ، وعدّ هذا في جملة هذا . وقال - أبقاه اللّه وأدام أيّامه - : ما اليمن والبركة ؟ والفأل والطّيرة وأضدادها ؟ فكان الجواب : إنّ اليمن عبارة عن شيء يبشّر به ويبتغى ويراد ، ويقال : فلان ميمون الناصية ، وميسور الناصية ، أي هو سبب ظاهر في نيل مأمول وإدراك محبوب ، واشتقاقه في اليمين ، وهو القوّة ، ولذلك يقال لليسار : شمال ، لأنّها أضعف منها ، وتسمّى أيضا : الشّؤمى . ويقال : يمن فلان عليهم ، وشؤم ، وهو ميمون ومشئوم ، جعل الفعل على طريق ما لم يسمّ فاعله ، لأنّه شيء موصول به من غير إرادته واختياره . وإنما نزعوا إلى قولهم : فلان مشئوم ليكون الفعل واقعا به - أعني المكروه - وإلّا فهو شائم في الأصل . ويقال : شأم فلان قومه ، وكذلك يمنهم ، وكأنّهما قوّتان علويّتان تصحبان مزاجين مختلفين ، وإذا اعتيد منهما هذان العرضان اللذان يصدران عن هاتين القوّتين العلويّتين ، قيل : فلان كذا ، وفلان كذا . وأما البركة فهي النّماء والزّيادة والرّيع ، من حيث لا يوجد بالحسّ ظاهرا مكشوفا يشار إليه ، فإذا عهد من الشيء هذا المعنى خافيا عن الحسّ قيل : هذه بركة ، واشتقاقها من البروك ، وهو اللّزوم والسّعة ، ومن ذلك : البركة . والبركة