تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
فقال : هذا عجب . قلت : قال لنا أبو سليمان : كلّ ما جهل سببه من ناحية الحسّ بالعادة ، ومن ناحية الطبيعة بالإمكان ، ومن ناحية النفس بالتهيئة ، ومن ناحية العقل بالتّجويز ، ومن ناحية الإله بالتّوفيق فهو معجوب منه ، معجوز عنه ، مسلّم لمن له القدرة المحيطة ، والمشيئة النافذة ، والحكمة البالغة ، والإحسان السابق . ولقد حكى أبو الحسن الفرضيّ في أمر الاتفاق شيئا ظريفا عن بعض إخوانه قال : خرجنا إلى بعض المتنزّهات ومعنا جرّ نصيد به السّمانى ، وكنّا جماعة ، فقال حدث كان معنا - وكان أصغرنا سنّا - : أنتم تصيدون بجرّ « 1 » ، وأنا أصيد بيدي ، يقول ذلك على جهة المزح ، فرمى بعد قليل فاتّفق له أن أثار سماني ، فأسرع إليه ونحن لا نعلم أنّه أخذ شيئا ، فقلنا له على طريق العبث : احذر الخنزير - من غير أن نكون رأينا خنزيرا - فالتفت فزعا وفرّ مولّيا ، فاتّفق له أن رأى خنزيرا منه غير بعيد ، فأقبل إلينا مسرعا هاربا من الخنزير والسّماني بيده وقد صاده . وكنت في البادية في صفر سنة أربع وخمسين منصرفا من الحج ومعي جماعة من الصّوفية ، فلحقنا جهد من عوز القوت وتعذّر ما يمسك الرّوح في حديث طويل - إلا أنّا وصلنا من زبالة « 2 » - بالحيلة اللّطيفة منّا ، والصّنع الجميل من اللّه تعالى - إلى شيء من الدقيق ، فانتعشت أنفسنا به ، وغنمناه ، ورأيناه نفحة من نفحات اللّه تعالى الكريم ، فجعلناه زادنا ، وسرنا ، فلما بلغنا المنزل قعدنا لنمارس ذلك الدقيق ، ولقطنا البعر ودقاق الحطب ، فلما أجمعنا على العجن والملك « 3 » لم نجد الحراق - وكان عندنا أنّه معنا ، وأنّنا قد استظهرناه - فدخلتنا حيرة شديدة ، وركبنا غمّ غالب ، وسففنا من ذلك الدقيق شيئا ، فما ساغ ولا قبلته الطبيعة ، وبتنا ليلتنا طاوين ساهرين ، قد علانا الكمد ، وملكنا الوجوم والأسف ، فقال بعضنا : هذا لمّا وجدنا الدقيق ؟ ! وأصبحنا وركبنا قد استرخت ، وعيوننا غارت ، وأحدنا لا يحدّث صاحبه غمّا وكربا . وعدنا إلى ما كنّا فيه قبل بزيادة حسرة من النّظر إلى الدقيق ، وقال صاحب لنا : نرمي بجراب الدّقيق حتّى نلقي حمله وثقله في طول هذا الطريق ، فقلنا : ليس هذا بصواب ، وما يضرّنا أن يكون معنا ، فلعلّنا أن نرى ركبا أو نلقى حطبا . وكانت البادية خالية في ذلك الوقت ، لرعب لحق قوما من بني كلاب من جهة أعدائهم ، فلم يكن يجتاز بها في ذلك الوقت غريب . وبقينا كذلك إلى اليوم الثّالث ، ونحن نلاحق ونجاهد في المشي ،
هامش
( 1 ) الجر : الحبل . ( 2 ) اسم بلد بين الكوفة والمكة . ( 3 ) أي إنعام العجن .