تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
قتله ، فمرّة يتحصّن بفناء ابن العميد ، ومرّة يلجأ إلى صاحب الجيش بنيسابور ، ومرّة يتقرّب إلى العامّة بكتب يصنّفها في نصرة الإسلام ، وهو على ذلك يتّهم ويقرف بالإلحاد ، وبقدم العالم والكلام في الهيولى والصّورة والزّمان والمكان ، وما أشبه هذا من ضروب الهذيان الّتي ما أنزل اللّه بها كتابه ، ولا دعا إليها رسوله ، ولا أفاضت فيها أمّته . ومع ذلك يناغي صاحب كلّ بدعة ، ويجلس إليه كل متهم ، ويلقي كلامه إلى كلّ من ادّعى باطنا للظاهر وظاهرا للباطن . وما عندي أنّ الأئمّة الذين يأخذ عنهم ويقتبس منهم ، كأرسطوطاليس وسقراط وأفلاطون ، رهط الكفر ذكروا في كتبهم حديث الظّاهر والباطن ، وإنما هذا من نسج القدّاحين في الإسلام ، الساترين على أنفسهم ما هم فيه من التّهم ، وهذا بعينه دبّره الهجريّون بالأمس ، وبهذا دندن الناجمون بقزوين وبثّوا الدّعاة في أطراف الأرض ، وبذلوا الرغائب وفتنوا النفوس . وقد سمعنا تأويلات هذه الطوائف لآيات القرآن في قوله عزّ وجلّ :
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[ المرسلات : 30 ] وفي قوله تعالى :
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
[ الحديد : 13 ] وفي قوله تعالى :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[ المدثر : 30 ] وفي قوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] إلى غير ذلك مما يطول « 1 » ويعول فدعونا من التورية والحيلة والإيهام والكناية عن شيء لا يتصل بالإرادة ، والإرادة لشيء لا يتّصل بالصريح ، فالناس أنقد لأديانهم وأحرص على الظّفر ببغيتهم من الصّيارفة لدنانيرهم ودراهمهم . فلمّا انبهر المقدسيّ بما سمع وكاد يتفرى إهابه من الغيظ والعجز وقلّة الحيلة قال : الناس أعداء ما جهلوا ، ونشر الحكمة في غير أهلها يورث العداوة ويطرح « 2 » الشحناء ويقدح زند الفتنة . ثم كرّ الجريريّ كرّ المدلّ وعطف عطفة الواثق بالظفر ، فقال : يا أبا سليمان ، من هذا الذي يقرّ منكم أنّ عصا موسى انقلبت حيّة ، وأن البحر انفلق ، وأنّ يدا خرجت بيضاء من غير سوء ، وأنّ بشرا خلق من تراب ، وأنّ آخر ولدته أنثى من غير ذكر ، وأنّ نارا مؤجّجة طرح فيها إنسان فصارت له بردا وسلاما ، وأنّ رجلا مات مائة عام ثم بعث فنظر إلى طعامه وشرابه على حاليهما لم يتغيّرا ، وأنّ قبرا تفقّأ عن ميّت حيي ، وأنّ طينا دبّر « 3 » فنفخ فيه فطار ، وأنّ قمرا انشقّ ، وأنّ جذعا حنّ ، وأنّ ذئبا
هامش
( 1 ) من عال الشيء فلانا إذا ثقل عليه وغلبه وأهمه . ( 2 ) أي يلقيها في القلوب . ( 3 ) أي صنع كهيئة الطير .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 170 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي