المؤمنين على ما ذكرته ، أو يحلف وزيرك هذا . فقال له هارون : إن أخي لا يدافعني ما أقول ، ولا ينكر إلا قليلا مما أدّعي ، فلم يزالا يردّدان القول بينهما ويتنازعان ، حتى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير . فقال له : قم ، فقام عنه . ثم دعا بالغلام الحدث ، الّذي دعته الطائفة الأخرى ، فدخل عليه . فقال له : ادن مني ، فدنا منه . فقال لها هارون : إن بيني وبين وزيري تنازعا وخصومة ، فاسمع منا قولنا ، ثم اقض بيننا بالحقّ . قال لهما : إن مقعدكما مختلف ، ومجلسكما متناء ، وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما ، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول ، وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته ، وأدحض لحجة صاحبه ، وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر ، وإليه أميل . ولكن تقومان من مجلسكما هذا الّذي قد استعليتما فيه ، فتجلسا بين يديّ ، ثم أسمع منكما قولكما ، وأقضى لمن رأيت الحقّ له ، ثم لا أبالي على من دار منكما . فقال الرشيد : صدقت وبررت في قولك ، فقام الرشيد ، وقام عمرو بن مسعدة ، حتى صارا بين يديه جالسين . فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم . فقال له القاضي : لو تركت هذا يتكلم ، فإنه أسنّ منك . فقال الرشيد . إن الحقّ أسنّ منه . فقال القاضي : بلى ، ولكن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قال لحويصّة ومحيّصة [ ( 1 ) ] : كبّر كبّر . يريد ليتكلم عمكما ، لأنه أسنّ منكما وأكبر ، فتكلم عمرو بن مسعدة ، ثم تكلم الرشيد ، وتنازعا الخصومة ، وترافعا الحجة بينهما ، حتى رأى القاضي أن الحقّ لعمرو ، فقضى له به على الرشيد ، فلما قضى عليه قال لهما : عودا إلى مجلسكما ، فعادا ، فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه ، وقلة ميله ، فالتفت إلى عمرو فقال : إن هذا أحقّ بقضاء القضاة من الّذي استقضيناه . فقال عمرو : بلى واللَّه ، ولكن القوم أحقّ بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه ، فدعا الرشيد برجال مكة ، فأدخلهم على نفسه ، وأجزل لهم العطاء ، وأحسن على قاضيهم الثناء . ثم قال لهم : هل لكم أن تأذنوا أولّيه قضاء القضاة ، فيسير إلى العراق يقضي بينهم ؟ فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين أنت أحقّ به نؤثرك على أنفسنا .
فأرسل إليه الرشيد فقال : إني قد وليتك قضاء القضاة ، فسر إلى العراق لتقضي
هامش
[ ( 1 ) ] هما ابنا مسعود بن كعب بن عامر بن عدي . . . الأوسي الأنصاري ، وحويصة الأكبر ، أسلم حويصة بعد أخيه محيصة ، وكان محيصة أفضل من أخيه ( أسد الغابة 4 / 334 ) .