تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
قصر قد شيد له ، ودار قد بنيت ، فيها حمام طيّب ، ينال فيها راحته مع أهله ، ويصيب لذّته مما شاء وكيف شاء ، ثم يكسر فيه يوما ، ثم يخرج في اليوم الثاني إلى مثل ذلك ، قد شايعه في طريقه الوزراء والقوّاد ، وأمراء الأجناد والعلماء والفقهاء ، والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه . إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله ، بحيث يسمعون كلامه ، ولا يرون شخصه ، فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الأمصار والبلدان ، إلا وخط فيه كتابا ، يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الأماكن ، مسيرة الأيام والليالي ، فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ، ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام ، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجوّ ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الأرض ، وينقضّ على وطنه ، وموضع فراخه ، فإذا نزل لا يستقرّ نزوله ، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه ، فيجاوب بما أحبّ ، ثم يسرّح غيره ، فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها طريق أمير المؤمنين ، فيؤخذ الجواب منه ، وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون بغير ما قلّدوا ، ولا يتشاغلون بغير ما حمّلوا ، فلم يزل كذلك ماشيا ، حتى وصل إلى مكة في ثلاثة أشهر ، فقضى حجّه ، وشهد مناسكه ومشاعره ، ثم انصرف قافلا إلى بغداد ، وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومائة [ ( 1 ) ] . فلما همّ بالانصراف ، وذكر القفول إلى العراق ، رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا ، فأدخلهم على نفسه ، فقال : إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم ، وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا ، فخرجوا فاختاروا رجلا ، فاختلفوا فيه ، فاختارت طائفة منهم رجلا ، واختارت أخرى رجلا آخر ، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم . فقال لهم هارون : أدخلوا عليّ هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما ، فإذا برجلين ، أحدهما شيخ من قريش ، والآخر غلام حدث من الموالي . فلما نظر إليهما الرشيد قال للشيخ : ادن مني ، فدنا منه ، فقال له الرشيد : أيها القاضي ، إن بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا ، فاقض بيننا بالحقّ . فقال الشيخ : قصا عليّ قصتكما ، فقصّا عليه ، 389 فقال الشيخ : تقيم البينة يا أمير
هامش
[ ( 1 ) ] قال في مروج الذهب 4 / 455 حج بالناس سنة 180 موسى بن عيسى بن محمد بن علي . ( الطبري 8 / 267 ) .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 217 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري