سمعوا صوتا ، فقال علي : ما هذا ؟ 105 فقيل : عائشة تلعن قتلة عثمان . فقال علي ورفع بصره إلى السماء : لعن اللَّه قتلة عثمان في السهل والجبل ، وقد كان علي عبأ الناس أثلاثا ،
فجعل مصر قلب العسكر ، واليمن ميمنته ، وربيعة ميسرته ، وعبأ أهل البصرة مثل ذلك ، فاقتتل القوم قتالا شديدا ، فهزمت يمن البصرة يمن علي ، وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي ،
قال حية بن جهين : نظرت إلى علي وهو يخفق نعاسا فقلت له : تاللَّه ما رأيت كاليوم قط ، إن بإزائنا لمائة ألف سيف ، وقد هزمت ميمنتك وميسرتك ، وأنت تخفق نعاسا ، فانتبه ورفع يديه ، وقال :
اللَّهمّ إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض ، وأن الزبير وطلحة ألبا وأجلبا عليّ الناس ، اللَّهمّ أولانا بدم عثمان فخذه اليوم . ثم تقدم علي فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية ، أن اقتحم ، فأبطأ وثبت ، فأتى علي من خلفه ، فضربه بين كتفيه ، وأخذ الراية من يده ، ثم حمل ، فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان ، في إحداهما عمار ، وفي الأخرى عبد اللَّه بن عباس ، ومحمد بن أبي بكر ، قال : فشق علي في عسكر القوم يطعن ويقتل ، ثم خرج وهو يقول : الماء الماء ، فأتاه رجل بإداوة فيها عسل فقال له : يا أمير المؤمنين ، أما الماء فإنه لا يصلح لك في هذا المقام ، ولكن أذوقك هذا العسل فقال : هات ، فحسا منه حسوة ، ثم قال : إن عسلك لطائفي ، قال الرجل : لعجبا منك واللَّه يا أمير المؤمنين ، لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم ، وقد بلغت القلوب الحناجر . فقال له علي : إنه واللَّه يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شيء قط ، ولا هابه شيء ثم أعطى الراية لابنه ، وقال : هكذا فاصنع ،
فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل والهودج 106 وهزم ما يليه ، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت الواقعة والضرب على الركب وحمل الأشتر النخعي وهو يريد عائشة ، فلقيه عبد اللَّه بن الزبير [ ( 1 ) ] ، فضربه ، واعتنقه عبد اللَّه فصرعه ، وقعد على صدره ، ثم نادى عبد اللَّه : اقتلوني ومالكا [ ( 2 ) ] . فلم يدر الناس من مالك فانفلت الأشتر منه ،
هامش
[ ( 1 ) ] قيل للأشتر ما أخرجك بالبصرة وقد كنت كارها لقتل عثمان ؟ قال : هؤلاء بايعوا ثم نكثوا وكان ابن الزبير هو الّذي أكره عائشة على الخروج فكنت أدعو اللَّه أن يلقينيه فلقيني كفة لكفة .
[ ( 2 ) ] في رواية في الطبري عن علقمة عن الأشتر أن الّذي قال ذلك هو عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد لما صرعا بعضهما . وفي رواية أخرى فكالأصل : وفيه : « ولو قال والأشتر وكانت له ألف ألف نفس ما نجا منها شيء وما زال يضطرب في يدي عبد اللَّه حتى أفلت » .