يحكم اللَّه بأمره
وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
. فقال معاوية : أعود الحلم التحلم ، قال :
وخيره التحلم عن الأهل . انصرفا في حفظ اللَّه ، ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر [ ( 1 ) ] ، وإلى عبد اللَّه بن عمر ، وإلى عبد اللَّه بن الزبير ، فجلسوا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه معاوية ثم قال : يا عبد اللَّه بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها ، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين ، وتسعى في تفريق ملئهم ، وأن تسفك دماءهم ، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء ، وليس للعباد خيرة من أمرهم ، وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم ، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم ، ثم سكت .
فتكلم عبد اللَّه بن عمر ، فحمد اللَّه وأثنى عليه . ثم قال : أما بعد يا معاوية ، لقد كانت قبلك خلفاء ، وكان لهم بنون ، ليس ابنك بخير من أبنائهم ، 206 فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك . فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا ، ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم ، وإنك تحذرني أن أشقّ عصا المسلمين ، وأفرّق ملأهم . وأسفك دماءهم ، ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء اللَّه ، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد . فقال معاوية : يرحمك اللَّه ليس عندك خلاف . ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد اللَّه بن عمر . فقال له عبد الرحمن : إنك واللَّه لوددت أنا نكلك إلى اللَّه فيما جسرت عليه من أمر يزيد ، والّذي نفسي بيده لنجعلنها شورى ، أو لأعيدنها جذعة ، ثم قام ليخرج ، فتعلق معاوية بطرف ردائه . ثم قال : على رسلك ، اللَّهمّ اكفنيه بما شئت ، ثم قال له : لا تظهرن لأهل الشام ، فإنّي أخشى عليك منهم .
ثم قال لابن الزبير ، نحو ما قاله لابن عمر . ثم قال له : أنت ثعلب روّاغ ، كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر ، أنت ألّبت هذين الرجلين [ ( 2 ) ] ، وأخرجتهما
هامش
[ ( ) ] ورواه أحمد في مسندة 1 / 173 ، 175 ، 182 و 3 / 338 والترمذي في المناقب 5 / 638 ومسلم في فضائل الصحابة ( باب 4 ) حديث 32 .
[ ( 1 ) ] كذا بالأصل وبعض كتب التاريخ . قال ابن الأثير في تاريخه 2 / 513 : ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول من يجعل وفاته سنة 53 ، وإنما يصح على قول من يجعلها بعد ذلك الوقت .
[ ( 2 ) ] عند ابن الأعثم : هؤلاء الثلاثة يريد الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد اللَّه بن عمر .