تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
محفوظان ، وثالث مشكور ، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا ، وما أعلم منه فوق ما تعلمان ، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه ، وقد علم اللَّه ما أحاول به في أمر الرعية ، من سد الخلل ، ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين ، وأحمد الفعل ، هذا معناي في يزيد ، وفيكما فضل القرابة ، وحظوة العلم ، وكمال المروءة ، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ، ما أعياني مثله عندكما ، وعند غيركما ، مع علمه بالسنة ، وقراءة القرآن ، والحلم الّذي يرجح بالصم الصلاب ، وقد علمتما أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة ، قدّم على الصديق والفاروق ، ومن دونهما من أكابر الصحابة ، وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل [ ( 1 ) ] ، من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة . ولا سنة مذكورة ، فقادهم الرجل بأمره ، وجمع بهم صلاتهم ، وحفظ عليهم فيئهم ، وقال فلم يقل معه ، وفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أسوة حسنة ، فمهلا بني عبد المطلب ، فأنا وأنتم شعبا نفع وجد ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما ، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما ، فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما ، وأستغفر اللَّه لي ولكما . قال : فتيسر ابن عباس للكلام ، ونصب يده للمخاطبة ، فأشار إليه الحسين وقال : على رسلك ، فأنا المراد ، ونصيبي في التهمة أوفر ، فأمسك ابن عباس ، فقام الحسين ، فحمد اللَّه ، وصلّى على الرسول ثم قال : أما بعد يا معاوية ، فلن يؤدي القائل ، وإن أطنب في صفة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم من جميع جزءا ، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللَّه من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت ، وهيهات هيهات يا معاوية : فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت ، ومنعت حتى محلت ، وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل ، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأمة محمد ، تريد أن توهم الناس في
هامش
[ ( 1 ) ] إشارة إلى تولية عمرو بن العاص غزوة ذات السلاسل من أرض بني عذرة حيث أرسله صلّى اللَّه عليه وسلّم يستنفر العرب إلى الشام . ثم أرسل إليه مددا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة ( سيرة ابن هشام 4 / 272 ) .
الإمامة والسياسة ( بيروت ) — صفحة 208 | ابن قتيبة الدينوري / علي شيري