المكارم ، وارتجى لحمل العظائم ، وأشد الناس في العدوّ نكاية ، وأحسنهم صنعا في الولاية ، وأنت أغنى بأمرك ، وأحفظ لوصيتك ، وأحرز لنفسك . أسأل اللَّه لأمير المؤمنين العافية في غير جهد ، والنعمة في غير تغيير .
192
ما قال الأحنف بن قيس
قال : فقال معاوية : أو كلّكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا ؟ فقالوا : كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا . قال : فأين الأحنف ؟ فأجابه ، قال : ألا تتكلم ؟ فقام الأحنف فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح اللَّه أمير المؤمنين ، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف [ ( 1 ) ] ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره [ ( 2 ) ] يا أمير المؤمنين ، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ، ثم أعص أمر من يأمرك ، لا يغررك من يشير عليك ، ولا ينظر لك ، وأنت انظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا [ ( 3 ) ] و [ ( 4 ) ] .
ما ردّ الضحاك بن قيس عليه
قال : فغضب الضحاك بن قيس ، فقام الثانية ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أصلح اللَّه أمير المؤمنين . إن أهل النفاق من أهل العراق ، مروءتهم في أنفسهم الشقاق ، وألفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحق على أهوائهم ، كأنما ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلا وبطرا ، لا يرقبون من اللَّه راقبة ، ولا يخافون وبال عاقبة ، اتخذوا إبليس لهم ربا ، واتخذهم إبليس حزبا ، فمن يقاربوه لا يسرّوه ، ومن يفارقوه لا يضروه ، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم ، وكلامهم في صدورهم ، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان اللَّه الّذي استخلف
هامش
[ ( 1 ) ] مؤتنف : مستقبل .
[ ( 2 ) ] حلب الدهر أشطره . مثل يقال للرجل المجرب الأمور الّذي قاسي الشدة والرخاء وتصرف في الفقر والغنى ( انظر جمهرة الأمثال 1 / 346 المستقصى 2 / 64 مجمع الأمثال 1 / 195 ) .
[ ( 3 ) ] قارن كلام الأحنف مع ما ذكره العقد الفريد 4 / 370 ابن الأعثم 4 / 232 ابن الأثير 2 / 511 مروج الذهب 3 / 34 .
[ ( 4 ) ] يفهم من كلام الأحنف أن ذلك حصل قبل وفاة الحسن بن علي أي قبل سنة 50 والمشهور أن وفاة الحسن كانت سنة 49 . ( انظر ما لاحظناه ص 188 حاشية رقم 2 ) .