العراق ، وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم ، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ، ولا حظا من القضية ، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت ، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق ، كنت كتبت عليك بذلك كتابا ، وأشهدت عليه شهودا من أهل المشرق والمغرب إن هذا الأمر لك من بعده ، كان الأمر علينا أيسر ، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله ، ثم قال : وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت ، إني كنت شرطت لقوم شروطا ، ووعدتهم عدات ، ومنيتهم أماني ، إرادة إطفاء نار الحرب ، ومداراة لهذه الفتنة ، إذ جمع اللَّه لنا كلمتنا وألفتنا ، فإن كل ما هنالك تحت قدمي هاتين ، وو اللَّه ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه ، فأعد للحرب خدعة ، وأذن لي أشخص إلى الكوفة ، فأخرج عامله منها ، وأظهر فيها خلعه ، وأنبذ إليه على سواء إن اللَّه لا يهدي كيد الخائنين . ثم سكت . 189 فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته ، وكلهم يقول : ابعث سليمان بن صرد ، وابعثنا معه ، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله ، وأظهرنا خلعه .
فتكلم الحسن ، فحمد اللَّه ، ثم قال : أما بعد ، فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا ، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والاستقامة لنا ، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا ، وأشد شكيمة ، ولكان رأيي غير ما رأيتم ، ولكني أشهد اللَّه وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلّا حقن دمائكم ، وإصلاح ذات بينكم ، فاتقوا اللَّه وارضوا بقضاء اللَّه ، وسلموا لأمر اللَّه ، والزموا بيوتكم ، وكفوا أيديكم ، حتى يستريح برّ ، أو يستراح من فاجر ، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر ، فو اللَّه لو سرنا إليه بالجبال والشجر ، ما شككت أنه سيظهر ، إن اللَّه لا معقب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، وأما قولك : يا مذلّ المؤمنين ، فو اللَّه لأن تذلوا وتعافوا أحب إليّ من أن تعزوا وتقتلوا ، فإن رد اللَّه علينا حقنا في عافية قبلنا ، وسألنا اللَّه العون على أمره ، وإن صرفه عنا رضينا ، وسألنا اللَّه أن يبارك في صرفه عنا ، فليكن كل رجل منكم حلسا من [ ( 1 ) ] أحلاس بيته ، ما دام معاوية حيا ، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء ، سألنا اللَّه العزيمة على
هامش
[ ( 1 ) ] الحلس : هو ما يلي ظهر الدابة تحت البرذعة ، والمعنى : أن يلزم كل منكم بيته ولا يبارحه .
والرجل الحلوس : هو الرجل الحريص الملازم .