تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 1 » ، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا وأوحي نجوما . وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وأنزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرئ منا قطعات ثم يعلمه ويقرأه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه . وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم ، فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
« 2 » وقوله تعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
« 3 » ، وقوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
« 4 » وقوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
« 5 » ، ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانه ثمّ يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فالمراد بالقرآن في قوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة . وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم - وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها ، وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه . وبذلك تظهر حقيقة معنى التأويل ، ويظهر
هامش
( 1 ) الإسراء - 106 . ( 2 ) المائدة - 13 . ( 3 ) التوبة - 123 . ( 4 ) المجادلة - 1 . ( 5 ) التوبة - 103 .
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 96 | السيد محمدحسين الطباطبائي