ثم إنا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامة آياته ونجد ما بأيدينا من القرآن أعني ما بين الدفتين واجدا لما وصف به من أوصاف تحدّى بها من غير أن يتغير في شيء منها أو يفوته ويفقد .
فنجده يتحدّى بالبلاغة والفصاحة ونجد ما بأيدينا مشتملا على ذلك النظم العجيب البديع لا يعدله ولا يشابهه شيء من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ منهم والمروي عنهم من شعر أو نثر أو خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك ، وهذا النظم موجود في جميع الآيات سواء كتابا متشابها مثاني تقشعر منه الجلود والقلوب .
ونجده يتحدّى بقوله :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » بعدم وجود اختلاف فيه ونجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء وأوفاه فما من إبهام أو خلل يتراءى في آية إلّا ويرفعه آية أخرى ، وما من خلاف أو مناقضة يتوهم بادئ الرأي من شطر إلّا وهناك ما يدفعه ويفسّره .
ونجده يتحدّى بغير ذلك مما لا يختص فهمه بأهل اللغة العربية كما في قوله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » ، وقوله :
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَما هُوَ بِالْهَزْلِ
« 3 » ثم نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحق الذي لا مرية فيه ، ويهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من أصول المعارف الحقيقية وكليات الشرائع الفطرية وتفاصيل الفضائل الخلقية من غير أن نعثر فيها على شيء من النقيصة والخلل أو نحصل على شيء من التناقض والزلل بل نجد جميع المعارف على سعتها وكثرتها حيّة بحياة واحدة مدبّرة بروح واحد هو مبدأ جميع المعارف القرآنية والأصل الذي إليه ينتهي الجميع ويرجع وهو التوحيد فإليه ينتهي الجميع بالتحليل وهو يعود إلى كل منها بالتركيب .
ونجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء وأممهم ونجد ما عندنا
هامش
( 1 ) النساء - 82 .
( 2 ) الإسراء - 88 .
( 3 ) الطارق - 13 و 14 .