تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
بأن الواجب حينئذ أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم والخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ، ولم يستلزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به ولم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم ، ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم . على أن هذا الطريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الإسلام من الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية يوجب توقف العلم في سيره وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل والكتب المؤلفة في التفسير في القرون الأولى من الإسلام ، ولم ينقل منهم في التفسير إلّا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمق البحث وتدقيق النظر فأين ما يشير إليه قوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 1 » من دقائق المعارف في القرآن ؟ وأما استبعاد أن يختفي عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجد والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم إذ لا يتصور اختلاف ولا تناقض إلّا مع فرض خفاء الحق واختلاط طريقه بغيره . فالحق أن الطريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود ، وأن البيان الإلهي والذكر الحكيم بنفسه هو الطريق الهادي إلى نفسه ، أي أنه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق ، فكيف يتصور أن يكون الكتاب الذي عرفه اللّه تعالى بأنه هدى وأنه نور وأنه تبيان لكل شيء مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ومبينا بأمر غيره ؟ فإن قلت : قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال في آخر خطبة خطبها : إني تارك فيكم الثقلين : الثقل الأكبر والثقل الأصغر فأما الأكبر فكتاب ربي ، وأما الأصغر فعترتي أهل بيتي فاحفظوني فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما رواه الفريقان بطرق متواترة عن جم غفير من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنه ،
هامش
( 1 ) النحل - 89 .