تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
نظير ذلك أنها لو ألقي إلينا المثل السائر : عند الصباح يحمد القوم السرى أو تمثل لنا بقول صخر :
أهم بأمر الحزم لا أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان
فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة أو الأمر الممثل له نجرّد المثل عن الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسرى ، ونفهم من ذلك أن المراد : أن حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه وبدا أثره وأما وهو ما دام الإنسان مشتغلا به محسا تعب فعله فلا يقدر قدره ، ويظهر ذلك تجريد ما تمثل به من الشعر ، وأما إذا لم نعهد الممثل وجمدنا على الشعر أو المثل خفي عنا الممثل وعاد المثل خبرا من الأخبار ، ولو لم نجمد وانتقلنا إجمالا إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد وما يجب حفظه للفهم وهو ظاهر . ولا مخلص عن هذين المحذورين إلّا بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثال مختلفة وتقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضا ، ويوضح بعضها أمر بعض ، فيعلم بالتدافع الذي بينها أولا : أن البيانات أمثال ولها في ما وراءها حقائق ممثلة ، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحس والمحسوس وثانيا : بعد العلم بأنها أمثال : يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام ، وإنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك ، وذاك نفي بعض ما في هذا . وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم ، ولغة دون لغة ، وليس ذلك إلّا لأن الإنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة أخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب . فقد تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة وأن يرفع التشابه الواقع في آية بالإحكام الواقع في آية أخرى ،