قال : هو خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري ، لم أجدها مع أحد غيره :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ . .
حتى خاتمة براءة .
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما « 1 » .
غير أن هذه الجهود قد أجازت نص القرآن مع بعض الاختلاف في اللهجات الشائعة بين عرب الجاهلية .
وهنا نقف « 2 » من هذا الحديث عند عرض عمر رضي اللّه عنه الأمر على أبي بكر ، وموقف أبي بكر من عرضه ، فقد كان عمر مملئا إحساسا بالخطر الداهم ، الذي - لاحت - نذره في معركة اليمامة ، ويوشك أن يلتهم كل حفاظ القرآن من الصحابة ، رضوان اللّه عليهم ، وهم الشهود العدول على وثاقة النص المكتوب ، وقد كان - كما علمنا - مفرقا في لخاف وكرانيف ، وعسب وأضلاع وأكتاف ، إلى جانب ما كان في الصدور ، ولم يأخذ بعض صورة الكتاب الواحد ، اللهم إلا في صدور الصحابة الذين جمعوه حفظا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد بدأت الحرب تقرضهم واحد أثر واحد « 3 » ، ويبدو لنا أن الصحابة لم يكونوا يدركون آنذاك قيمة النص المكتوب ، بل كان اعتمادهم على استظهاره بقلوبهم ، وأغلب الظن أن أحدا لم يدرك ذلك سوى عمر ، ولعل ذلك كان ضمن كتاب الوحي ، ومن أكثرهم إحساسا بمسئولية الحفاظ عليه .
وجاء عمر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه ، فعرض عليه احتمال ذهاب كثير من القرآن إذا استحر القتل بالقراء في المواطن كلها . لكن أبا بكر تردّد
هامش
( 1 ) نفس المصدر السابق ص 26 وما بعدها .
( 2 ) صحيح البخاري ج 6 ص 225 ، 226 - ط : دار الشعب .
( 3 ) انظر تاريخ القرآن للدكتور عبد الصبور شاهين ص 102 وما بعدها .