صاحباه . فأصبحت عندها أنا وعياش ، وحبس عنا هشام بن العاص ، وفتن فافتتن . وقدمنا المدينة ، وكنا نقول : « واللَّه ما اللَّه بقابل من هؤلاء توبة ! قوم عرفوا اللَّه وآمنوا به وصدّقوا رسوله ، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا » . وكانوا يقولونه لأنفسهم ، فأنزل اللَّه تعالى فيهم :
قُلْ : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
إلى قوله
مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
[ ( 1 ) ] ، قال عمر : فكتبتها بيدي ، ثم بعثت بها إلى هشام . فقال هشام : فلما قدمت عليّ خرجت إلى ذي طوى [ ( 2 ) ] ، فجعلت أصعّد فيها وأصوّب [ ( 3 ) ] ، لأفهمها ، فعرفت أنها أنزلت فينا ، لما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا . فجلست على بعيري فلحقت برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم [ ( 4 ) ] .
قيل : إنه استشهد يوم أجنادين في خلافة أبى بكر سنة ثلاث عشرة ، وقيل : بل استشهد باليرموك ، ضرب رجلا من غسان فقتله ، فكرّت غسان على هشام فقتلوه ، وكرّت عليه الخيل ، حتى عاد عليه عمرو أخوه ، فجمع لحمه فدفنه [ ( 5 ) ] .
وقال خالد بن معدان : لما انهزمت الروم يوم أجنادين ، انتهوا إلى موضع ضيّق لا يعبره إلا إنسان بعد إنسان ، فجعلت الروم تقاتل عليه ، وقد تقدّموه وعبروه ، فتقدم هشام فقاتلهم حتى قتل ، ووقع على تلك الثّلمة فسدّها ، فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطئوه الخيل ، فقال عمرو بن العاص : « أيها الناس ، إن اللَّه قد استشهده ، ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل » . ثم أوطأه هو ، ثم تبعه الناس حتى قطعوه . فلما انتهت الهزيمة ورجع المسلمون إلى المعسكر كرّ عليه عمرو ، فجعل يجمع لحمه وعظامه وأعضاءه ، ثم حمله في نطع [ ( 6 ) ] فواراه .
وقد روى عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أنه قال : « ابنا العاص مؤمنان » . [ ( 7 ) ]
أخرجه الثلاثة .
هامش
[ ( 1 ) ] سورة الزمر ، الآيات : 53 - 60 .
[ ( 2 ) ] ذو طوى : موضع بأسفل مكة .
[ ( 3 ) ] يقال : « صعد النظر في وصوب » ، إذا نظر إلى أعلاى وأسفلى ، يتأملنى . وهذا كناية عن تأمله للآيات ، وتعرفه معناها . وفي سيرة ابن هشام بعده : « حتى قلت : اللَّهمّ فهمنيها . قال : فألقى اللَّه تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا . . . » .
[ ( 4 ) ] انظر سيرة ابن هشام : 1 / 474 - 476 .
[ ( 5 ) ] الاستيعاب : 4 / 1540 .
[ ( 6 ) ] النطع - بكسر فسكون - : قطعة من الجلد .
[ ( 7 ) ] أخرجه الحاكم في مستدركه : 3 / 240 ، وقال : « صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه » . وأخرجه النسائي .
انظر الإصابة : 3 / 572 .