تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وروى ثور بن يزيد قال : كان معاذ إذا تهجد من الليل قال : اللَّهمّ ، نامت العيون ، وغارت النجوم ، وأنت حىّ قيوم . اللَّهمّ ، طلبي الجنة بطيء ، وهربي من النار ضعيف . اللَّهمّ ، اجعل لي عندك هدى تردّه إليّ يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد . ولما وقع الطاعون بالشام قال معاذ : اللَّهمّ ، أدخل على آل معاذ نصيبهم من هذا . فطعنت [ ( 1 ) ] له امرأتان ، فماتتا ، ثم طعن ابنه عبد الرحمن فمات . تم طعن معاذ بن جبل ، فجعل يغشى عليه ، فإذا أفاق قال : اللَّهمّ ، غمّنى غمّك ، فو عزّتك إنك لتعلم أنى أحبك . ثم يغشى عليه . فإذا أفاق قال مثل ذلك . وقال عمرو بن قيس : إن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال : انظروا ، أصبحنا ؟ فقيل : لم نصبح . حتى أتى فقيل : أصبحنا . فقال : أعوذ باللَّه من ليلة صباحها إلى النار ! مرحبا بالموت ، مرحبا زائر حبيب جاء على فاقة ! اللَّهمّ ، تعلم أنى كنت أخافك ، وأنا اليوم أرجوك ، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى [ ( 2 ) ] الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمإ الهواجر ، ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . وقال الحسن : لما حضر معاذا الموت جعل يبكى ، فقيل له : أتبكي وأنت صاحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأنت ، وأنت ؟ فقال : ما أبكى جزعا من الموت ، إن حل بي ، ولا دنيا تركتها بعدي ، ولكن إنما هي القبضتان ، فلا أدرى من أيّ القبضتين أنا . قيل : كان معاذ ممن يكسر أصنام بنى سلمة . وقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : معاذ أمام العلماء يوم القيامة برتوة [ ( 3 ) ] أو رتوتين . وقال فروة الأشجعي ، عن ابن مسعود : « إن معاذ بن جبل كان أمّة قانتا للَّه حنيفا ، ولم يك من المشركين » . فقلت له : إنما قال اللَّه :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ
[ ( 4 ) ] . فأعاد قوله : « إن معاذا كان أمة قانتا للَّه ، الآية ، وقال : ما الأمّة ؟ وما القانت ؟ قلت : اللَّه
هامش
[ ( 1 ) ] يقال : طعن الرجل - بالبناء للمجهول فهو طعين ، إذا أصابه الطاعون . [ ( 2 ) ] أي : حفر الأنهار ، يقال كريت النهر كريا : إذا حفرته . [ ( 3 ) ] الرتوة : رمية سهم ، وقيل : ميل . وقيل : مدى البصر . [ ( 4 ) ] سورة النحل ، آية : 120 .