جبابرتهم فساموهم « 1 » سوء العذاب وضربهم « 2 » بالفاقة والفقر وملأ قلوبهم رعبا » . ومن آدابهم نزاهة النفس عن شبه المكاسب والقناعة بالميسور عن كد المطالب فإن شبه المكتسب إثم وكد الطالب ذل والأجر أجدر به من الإثم والعز أليق به من الذل . وأنشدني بعض أهل الأدب لعلي بن عبد العزيز « 3 » القاضي رحمه اللّه تعالى :
يقولون لي فيك انقباض وإنما * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما « 4 »
أرى الناس من داناهم « 5 » هان عندهم * ومن أكرمته عزة النفس أكرما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما * بدا طمع صيرته لي سلما « 6 »
وما كل برق لاح لي يستفزني « 7 » * ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
إذا قيل هذا منهل « 8 » قلت قد أرى * ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما « 9 »
أنهنهها عن بعض ما لا يشينها * مخافة أقوال العدا « 10 » فيم أولما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي « 11 » * لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة * إذن فأتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا * محياه بالأطماع حتى تجهما « 12 »
هامش
( 1 ) ساموهم : من أسام خسفا أي أولاه وأرداه عليه .
( 2 ) وضربهم : أي عاقبهم .
( 3 ) علي بن عبد العزيز : الجرجاني .
( 4 ) أحجما : أي تأخر وتباعد عن الذل .
( 5 ) داناهم : قاربهم .
( 6 ) السلّم : بضم وتشديد المرقاة والدرجة .
( 7 ) يستفزني : يستخفني . وأراد بالبرق متاع الدنيا من المال والجاه .
( 8 ) منهل : المنهل : عين الماء ، ترده الإبل في المراعي ، والناهل العطشان والريّان أيضا وهو من الأضداد ، وبابه طرب .
( 9 ) الظما : كناية عن الفقر والضرورة .
( 10 ) العدا : بضم العين وكسرها اسم جمع من العدو .
( 11 ) مهجتي : المهجة بضم فسكون : الروح ، ودم القلب أراد به العمر والحياة .
( 12 ) تجهما : صار كريه المنظر .