على أن العلم عوض من كل لذة ومغن عن كل شهوة ومن كان صادق النية فيه لم يكن له همة فيما يجد بدّا منه . وقال بعض البلغاء : من تفرّد بالعلم لم توحشه خلوة ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة « 1 » ومن آنسه قراءة القرآن مفارقة الإخوان . وقال بعض العلماء : لا سمير « 2 » كالعلم ولا ظهير كالحلم .
ومن آدابهم أن يقصدوا وجه اللّه بتعليم من علموا ويطلبوا ثوابه بإرشاد من أرشدوا من غير أن يعتاضوا عليه عوضا ولا يلتمسوا عليه رزقا . فقد قال اللّه تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
. قال أبو العالة « 3 » : لا تأخذوا عليه أجرا وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أجر المعلم كأجر الصائم القائم » وحسب من هذا أجره أن يلتمس أجرا . ومن آدابهم نصح من علموه والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في رفدهم « 4 » ومعونتهم فإن ذلك أعظم لأجرهم وأسنى لذكرهم وأنشر لعلومهم وأرسخ لمعلومهم . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لعلي كرم اللّه وجهه : يا علي « لأن يهدي اللّه بك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس » . ومن آدابهم أن لا يعنفوا « 5 » متعلما ولا يحقروا ناشئا ولا يستصغروا مبتدئا فإن ذلك أدعى إليهم وأعطف عليهم وأحث على الرغبة فيما لديهم . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال :
« علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف » : وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال :
« وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه » . ومن آدابهم أن لا يمنعوا طالبا ولا ينفروا راغبا ولا يؤيسوا « 6 » متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم واستمرار ذلك مفض إلى انقراض العلم بانقراضهم . فقد روي عن
هامش
( 1 ) سلوة : المراد بها الفرح والنشاط .
( 2 ) لا سمير : السمر صحبة الليل ، والسمير مصاحب الليل ، يعني أن العلم أفضل مسامر .
( 3 ) أبو العالية : اسمه زياد بن فيروز ، وهو غير أبي العالية الرياض واسمه رفيع بضم الراء ، وكلاهما بصريان تابعيان يرويان عن ابن عباس .
( 4 ) رفدهم : الرّفد بكسر الراء اسم يقال : هو عظيم الرفد أي عظيم العطاء والصلة ، وبفتح الراء مصدر .
( 5 ) التعنيف : هو اللوم بعنف وشدة .
( 6 ) ولا يؤيسوا : ولا يقنطوا .