تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الدنيا والدين — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
يستعملهما في شبه دينية وحيل فقهية لا تجد أهل السلامة منهما مخلصا ولا عنهما مدفعا كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد فقيل : يا رسول اللّه أي الناس شر فقال : العلماء إذا فسدوا » فينبغي للعالم إذا رأى من هذه حاله أن يمنعه من طلبته « 1 » ويصرفه عن بغيته « 2 » ولا يعينه على إمضاء مكره وإكمال شره . فقد روى أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب » . وقال عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام : لا تلقوا الجوهر للخنزير فالعلم أفضل من اللؤلؤ ومن لا يستحقه شر من الخنزير . وحكي أن تلميذا سأل عالما عن بعض العلوم فلم يفده فقيل له : لم منعته فقال : لكل تربة غرس ولكل بناء أس « 3 » . وقال بعض البلغاء : لكل ثوب لابس ولكل علم قابس . وقال بعض الأدباء : ارث « 4 » لروضة توسطها خنزير وابك لعلم حواه شرير وينبغي أن يكون للعالم فراسة « 5 » يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم . وقد روى ثابت « 6 » عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن للّه عبادا يعرفون الناس بالتوسم » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إذا أنا لم أعلم ما لم « 7 » أر فلا علمت ما رأيت . وقال عبد اللّه بن الزبير : لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينيه . وقال ابن الرومي « 8 » :
هامش
( 1 ) طلبته : بكسر اللام : أي عن مطلوبه ، قبل استفحال خطره . ( 2 ) بغيته : بكسر الباء وضمها : أي حاجته . ( 3 ) أس : قاعدة يبنى عليها . ( 4 ) أرث : هذا أمر من رثى الميت يرثيه إذا بكى عليه ، وعد محاسنه ، أو نظم فيه شعرا . ( 5 ) فراسة : بكسر الفاء : اسم من التفرس ، وهي أن تنظر الشيء فتستدل بظاهره على باطنه ، وبما حضر على ما غاب . ( 6 ) ثابت : بن أسلّم البناني ، أبو أحمد البصري العابد التابعي . ( 7 ) ما لم أر : أي بدلائله وأماراته الخفية . ( 8 ) ابن الرومي : هو أبو الحسن علي بن العباس . كان من أطبع الشعراء الاسلاميين ، ومن غرائب الوجود في تقبيح الحسن وتحسين القبيح والقدرة على الإتيان بالمعاني الغريبة . قال الخالديان : « ما رأينا أمرا أعجب من أمر ابن الرومي ، فإنه يخترع المعنى ، فيجيده ، ولا يترك فيه زيادة لغيره ، فإذا تناول معنى من غيره قصر فيه ، ولم يأت به كالذي أخذه منه » قال الصفدي : والعلة في هذا أنه شاعر جيد دقيق النظر ، صحيح الذوق ، حسن التخيل ، فإذا طرق المعنى بكرا أتى به في غاية الحسن ، فالذي يأتي بعده لم يجد فيه فضلة ، وأما هو فلا يرى أن يأخذ إلا المعاني الجيدة من الفحول ، وأولئك قد سبقوه إليها ، فلا يكون له فيها فضيلة . ولد في بغداد وتوفي 283 سممه وزير المعتضد قاسم بن عبد اللّه ، لخوفه من هجائه .