قَعِيدَكُما اللّهَ الذي أنتُما لَهُ * * ألم تَسْمَعا بالبَيْضَتَيْن المُنادِيا
ومعناه أسألك بِقعْدِك اللّهَ وبقَعِيدِكَ اللّهَ ومعناه بوَصْفِكَ اللّهَ بالثَّباتِ والدَّوام وهو مأخوذ من القواعدِ التي هي الأصول لما يَلْبَثُ ويَبْقَى ولم يُصَرَّفْ منه فيقال قَعَّدْتُكَ اللّهَ كما يقال عَمَّرْتُكَ اللّهَ لان العَمْرَ في كلام العرب معروف وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين فلذلك تَصَرَّفَ وكثرتْ مواضعه وأما جوابُ عَمْرَكَ اللّهَ وقِعْدَك اللّهَ ونَشَدْتُك اللّه فإنها تكون بخمسة أشياء « 1 » بالاستفهام والامر والنهى وأنْ وإلَّا ولَمَّا والأصل في ذلك نَشَدْتُك اللَّه أي سألتك به وطلبتُ منك به لأنه يقال نَشَدَ الرجُل الضَّالَّةَ إذا طلبها كما قال الشاعر
* أَنْشُدُوا الباغِى يُحِبُّ الوِجْدانْ *
أي أطلبُ الضالَّة والطالبُ يحب الاصابَة وجُعِلَ عَمْرَكَ اللّهَ وقِعْدَكَ اللّهَ في معنى الطَّلَبِ والسؤال كَنَشَدْتُكَ اللّهَ فكان جوابُها كُلِّها ما ذكرتُ لك لان الامر والنهى والاستفهام كلها بمعنى السؤال والاستدعاء وكذلك أن لأنه في صلة الطَّلَبِ كقولك نَشَدْتُكَ اللّهَ أن تقومَ وكذلك تَقُولُ نَشَدْتُكَ اللّهَ قُمْ ونَشَدْتُكَ اللَّه لا تَقُمْ قال الشاعر
عَمْرَكِ اللَّهَ ساعةَ حَدِّثِينا * * ودَعِينا مِنْ ذِكْرِ ما يُؤْذِينا
وقد مر * فقِعْدَكِ أن لا تُسْمِعِينى * فجعل الجواب بأن لأنه في معنى الطلب والمسألة وعَمَّرْتُكَ اللَّهَ إلَّا كما تقول باللِّه إلَّا فَعَلْتَ كذا وكذا ومثلُ ما ينتصب من ذلك قَوْلُك للرجل سَلَامًا أي تَسَلُّمًا منك وعلى هذا قولُه عز وجل
« وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »
معناه براءةً منكم لأن هذه الآية في سُورة الفرقان وهي مكية والسلام في سورة النساء وهي مدنية ولم يُؤْمَرِ المسلمون بمكة أن يُسَلِّمُوا على المشركين وانما هذا على معنى براءةً منكم وتَسَلُّمًا لا خير بيننا وبينكم ولا شَرَّ ومن ذلك قول أمية
سَلَامَكَ رَبَّنَا في كُلِّ فَجْرٍ * * بَرِيئًا ما تَغَنَّثُكَ الذُّمُومُ
أي تَبْرِئةً لك من السُّوء ومعنى ما تَغَنَّثُكَ الذمومُ أي لا يَلْصَقُ به صفةُ ذَمٍّ قال سيبويه
هامش
( 1 ) قوله بخمسة أشياء أي بجعل الامر والنهى واحدا فتدبر ا ه مصححه