تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المخصص — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
به مما يقتضى ذلك مع أن معناه من طريق حقيقته يقتضى التعظيم وتقديرُ نصبه كتقدير متابعةً لَامْرِكَ وإسعادًا لك الا انه جعل لبيك وسَعْدَيْك موضعَ تقدير المصدرين وعومل بما يقتضى المبالغة من التثنية وترك التصرف على طريق النادر لينبئ عن علو المنزلة ولا يجوز في مثل هذا أن يكثر في التقدير لأنه ينافي المعنى الذي هو حقه من مجيئه نادرا في بابه ليدل على الخروج إلى علو المنزلة والانفراد بجلال الحالة وإنما جازت التثنية للمبالغة ولم يجز الجمع لان التثنية أولى بالتفضيل شيأ بعد شئ من الجمع إذ كانت التثنية لا تكون الاعلى الواحد والجمعُ قد يكون على غير الواحد نحو نَفَر ورَهْطٍ فهذه المبالغة تقتضى تضعيفَ المعنى كما قال سيبويه في حَنَانَيْكَ كأنه قال تَحَنُّنا بعد تَحَنُّنٍ وحَنَانًا بعد حَنَانٍ والتثنيةُ أدلُّ على هذا التفضيل من الجمع لما بينا فكلما قَلَّ النظير في معنى التعظيم فهو أشدُّ مبالغة لأنه إذا قل النظير قَلَّ مَنْ يُسْتَغْنَى بغيره عنه أي من يُحْتاج اليه ولا يُسْتَغْنَى بغيره عنه فهو أجل في التعظيم مما ليس فوق تعظيمه تعظيم وهذه الصفة لا تكون الا للّه تعالى وهذا الذي شرحنا يكشف لك عن النادر في المعنى وأن لفظه ينبغي أن يُعامَلَ معاملة تُشْعِر بهذا المعنى فسبحانَ من طُبَعَ نفوسَ العقلاء على هذه الحِكَم والفِطَنِ ولا تجوز هذه المبالغة الا بالإضافة لأمرين أحدهما طلب الأعرف في هذا المعنى النادر لأنه يصير كالمَثَل والآخر أن الاضافَة إلى المعظم أخصُّ بمعنى التعظيم من الانفصال فلهذا لم يجز حَنَانَيْكَ ولَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وما جرى مجراها الا بالإضافة وعلة الإضافة فيه كعلة لزوم الإضافة في سبحان اللّه ومعاذ اللَّه وقال طَرفة
أبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا * * حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بَعْضِ
كأنه قال تَحَنُّنًا بعد تَحَنُّنٍ ووضع حنانيك موضع تَحَنُّن وتقول سبحانَ اللّهِ وحَنانَيْهِ كأنك قلتَ ورَحْمَتَه على المبالغة في طلب الرحمة منه بعد الرحمة على ما تقتضيه التثنية وتقوله بالنصب والرفع ولا يجوز حَذَارَيْكَ لان التَّحْذِير ليس مما يحتاج فيه إلى المبالغة وقال عبد بنى الحَسْحاسِ
إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْدِ مِثْلُه * * دَوالَيْكَ حَتَّى لَيْسَ للْبُرْدِ لابِسُ
وقال دَوَالَيْكَ لان المداولَة على معنى المداومة موضعُ مبالغة وتعظيم كأنه قال مُدَاولَتَكَ وجعل دواليك في موضعه فاما قول النحويين سيبويه وغيره انه في موضع الحال فإنهم
المخصص — صفحة 232 | ابن سيده