ورُواتها مُشافِهُو الفُصَحاء ومُفاوِهُو الصُّرَحاء المُغَبِّرون إلى . . . « 1 » أقدامَهُم المُكَسِّرون على ضبطها أقلامَهم . . . الأصْمَعى والمُفَضَّل وأبى عبيدة والشَّيْبانى قد غَلِطوا بأشياء تَسَكَّعوا منها في عَمْياء هذا ولا يَعْرِفون عِلْما سواها ولا يتحملون من العلوم شيأ ما خَلَاها فكيف بي مع تَأَخُّر أواني وبُعْدِ مكاني ومصاحبتى للعجم وكونى من بلادي في مثل الرَّجَم . . . روض الهمم قافلا « 2 » وأرْنُو إلى نجم الأدَب آفلا وأنشد
فَأَصْبَحْت مِنْ لَيْلَى الغَداةَ كناظرٍ * معَ الصُّبحِ في أعقابِ نَجْمٍ مُغَرِّب
ما اقتصرتُ على اللغة وَحْدَها ولا قَصَدْتُ بنفسي جَمْعاءَ قَصْدَها انما هو جُزْءٌ مما أَحْكَمْت وذَرْءٌ مما فيه تَقَدَّمْت وإذا أردتَ عِلْمَ ذلك من كتابي . . . ضَمَّنْتُه ما يدلُّ على تقدّمى في جميع أبواب الآداب كالنحو والعروض والقافية والنسب والعلم بالخبر إلى غير ذلك من العلوم الكلامية التي بها أَبُذُّ المؤلِّفين وأَشِذُّ عن المصِنّفين . . . وأما ما يشتمل عليه هذا الكتاب فَعْلُم اللسانِ الذي تقدمت . . . ذكره وقد رأيتُ أن أُشَرِّف قَدْرَ خُطبتى هذه بذكر ما ينقسم اليه هذا العلم لاشتمال هذا الكتاب على قِسْمَيه المُحيطَيْنِ به وليس هذا الذي نذكره ههنا مقصورا على اللسان العربي فَحَسْبُ بل هو حَدٌّ شامل له ولعلم كل لسان فأردت أن أُفِيد المُولَعَ بطلب هذه الحقائق هذا الفصلَ اللطيف والمعنى الشريف
فَعِلْمُ اللسان في الجملة ضربان أحدهما حفظ الالفاظ الدالة في كل لسان وما يدل عليه لشئٍ شئٍ منها وذلك كقولنا طويل وقصير وعامل وعالم وجاهل والثاني في علم قوانين تلك الالفاظ ومعنى القوانين أقاويلُ جامعةٌ تنحصر في كل واحد منها أشياءُ كثيرةٌ مما تشتمل عليه تلك الطريقة حتى يأتي على جميع الأشياء التي هي مَصُوغةٌ للعلم بها أو على أكثرها وحفظُ هذه الأشياء الكثيرة أَعْنِى هذه الألْفاظَ المفردةَ إنما يُدْعَى عِلْما بأن يكون ما قُصِدَ بحفظه محصورا بتلك القوانين وتلك القوانينُ كالمقاييسِ التي يُعْلَم بها المؤنثُ من المذكر والجمعُ من الواحد والممدودُ من المقصور والمقاييسِ التي تَطَّرِدُ عليها المصادرُ والأفعالُ ويَبِين بها المتعدّى من غير المتعدّى واللازمُ من غير اللازم وما يَصِلُ بحرف وغير حرف وما يُقْضَى عليه بأنه أصل أو زائد أو مبدل وكالاستدلالات التي يُعْرَف بها المقلوب والمُحَوَّل والاتباع ولذلك ذكرتُ هذه الأبوابَ كلَّها بعد ذكر الالفاظ المفردة الدالة ليكون ذلك مستغنيا في نفسه غريبا في جنسه ولذلك تَكَرَّر فيه
هامش
( 1 ) بياض بالأصل في عدة مواضع من هذه الصحيفة كما ترى
( 2 ) قافلا أي يابسا