تماما ، فالجنين هنا ما يزال التعلّق أو التعليق أهم خصائصه المميزة ، وما يزال مظهر العلقة الدموية طاغيا عليه .
مرحلة المضغة :
تلي مرحلة العلقة وفق التقسيم القرآني مرحلة المضغة . قال تعالى :
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
[ المؤمنون / 14 ] . والمضغة لغة ، هي : قطعة لحم . ومضغه : لاكه بسنّه .
ومن الملاحظ أن مرحلتي العلقة والمضغة ، تكادان أن تتواصلا ، من غير فاصل زمني بينهما ! ولذا استخدم البيان الإلهي حرف الفاء - الذي يفيد الانتقال السريع بين الأحداث - للربط بين هاتين المرحلتين ! واختيار هذا الحرف كان موفقا تماما ، ومعبرا عن الحقيقة العلمية المشاهدة .
ويشبه الجنين في الأسبوع الرابع من عمره ( من اليوم عشرين فصاعدا ) اللقمة الممضوغة ( قطعة اللحم الممضوغة ) ، بسطحها غير المنتظم . ومما يزيد هذا التشبيه دقة ظهور القطع البدنية
Somites
، التي تبدو للعيان كأسنان مرصوفة تمضغ لقمة ( يتوالى ظهور القطع البدنية ابتداء من اليوم العشرين ، وحتى اليوم الثلاثين ) ، إذ إنّها تظهر أشفاعا كما الأسنان تماما . ويتغير شكل الجنين بين يوم وآخر ، وبين فترة وأخرى كاللقمة ، وبينما تحافظ القطع الظهرية
Somites
على مكانها كالأسنان ( يتغير شكل اللقمة ، بينما تحافظ على انطباعات الأسنان ) . فهل هناك من تشبيه أوضح وأبلغ لوصف الجنين في عمره هذا .
مضغة مخلّقة وغير مخلقة :
يقول تعالى أثناء تعداده لمراحل خلق الإنسان :
ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
[ الحج / 5 ] . يصف جلّ وعلا هنا المضغة بوصفين متعاكسين ! فكيف يكون ذلك ؟ يمكن لهذه الآية أن تفسر على أحد منحيين : أولهما : أن هذه المضغة تمرّ في مرحلتين ، يكون الجنين في إحداهما مخلّقا ( أي تام الخلقة ) ، وفي أخراهما غير مخلق . وثانيهما : أن المضغة تكون مخلّقة جزئيا ، وغير مخلقة جزئيا . أي أن الأمر نسبي . وعلى أنني أرى أن أول المنحيين غير مقبول ! ذلك لأن المضغة - وفق الآية الكريمة - تتصف بهاتين الصفتين معا ، ولا يفهم منها إطلاقا أن الموصوف يتصف بإحدى الصفتين ، ثم يتلبّس بثانيتهما .
وهكذا يبقى لدينا المنحى الآخر ، الذي يقضي بأن المضغة تكون متميزة ، وغير متميزة على نحو نسبي ، فلا هي متمايزة تمام التمايز شكلا ووظيفة ، ولا هي مجرد خلايا جنينية كالتي كانت