إنما يعرفها خالقها ومدبّرها اللّه ، ولولا إرشاد اللّه لنا وإلهامه إيانا لم تكن تبلغ أذهاننا إلى ما تبلغ إليه في الأدوية ولا في غيرها .
وقد كان جالينوس يجهل أشياء من أسباب ما رآه عيانا وقال في مواضع كثيرة : إنه كان يقول فيما كان لا يعرف ، وأما غيره من الأطبّاء ومن الفلاسفة فإنهم طمحت هممهم وعظمت عندهم أنفسهم عن جهل شيء فتكلّموا فيما هو أعلى وأشرف من أذهان البشر فوقعوا فيما لم تكن حاجة إليه ، والعلم إنما هو أن يعرف الإنسان أنه مقصّر لا يعلم إلا ما ألهمه اللّه إياه . وإن من الأمور ما هو أعظم من ذهن الإنسان .
القول في مراتب الأغذية :
كلّ ما هو غليظ يقدّم في الأكل ليكون في قعر المعدة لأنّ قعرها أقوى على الهضم من أعلاها ، والألبان تقدّم والثرائد والجبن والهرايس - إن لم يكن بدّ من استعمالها - والإسفنج وكذلك الإطرية ولحوم البقر والغنم المسنّة والقديد والحوت ، لأن قعر المعدة - كما قلت - أقوى على الهضم ، وإذا جاد الهضم قلّت مضرّة المهضوم .
والحبوب المقلوة تقدّم ليجود هضمها ، وتقدّم أيضا البقليات ، لا لهذا السبب لكن لسبب آخر أنها تليّن البطن ، وكلّما ألان البطن يجب أن يقدّم ، وكذلك ما هو ظاهر الملح ، وما سوى ذلك من الأغذية يجب أن يتوسّط بها .
وفي آخر المأكل تستعمل المشويات التي قد نضجت ، فإن لم تكن قد جاد نضجها فأوّل المأكل أولى بها ، والحلواء تؤخر وكذلك الفواكه ، وأما الحلواء فما يتّخذ منها بالبيض وقد صلب فيجب تقديمها ، وكل ما يتّخذ منها بالسمسم أو بزر الكتّان فيجب تقديمها ، إلا أن يكون في المعدة خلط صفراوي فحينئذ يجب أن تجتنب جملة واحدة ، فإن لم يكن بدّ فالتأخير بها بسبب ذلك الخلط أولى .
والمخلولات النّضجة التأخير بها أولى إلا أن تكون المعدة ضعيفة جدا فإنّها حينئذ يختار انهضامها فنقدّمها .
مراتب شرب الماء :
الماء يجب شربه ممزوجا على الأكل ، فإذا استقرّ الطعام في المعدة فخير المشروبات الماء الصرف ، وشرب المبرّد لا يعقب خيرا وخاصّة في غير زمان الحرّ ، وأفضل المياه مياه العيون التي تستقبل المشرق بمنبعها .