المقدمة
من المعروف أن الأمة العربية مرت في تاريخها بمرحلة من الإبداع العلمي والحضاري امتدت من أواخر القرن السابع إلى القرن الثالث عشر للميلاد ، ثم تباطأ الإنتاج العلمي العربي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ، وعندما نصل إلى القرن السادس عشر ، فإننا نرى الأمة العربية تواجه تراجعا علميا وحضاريا بما يشبه العقم في الإنتاج ، وقد استمر هذا الوضع طويلا .
والتعليم الطبي العربي لا يخرج عن هذه القاعدة .
ومنذ ظهور العرب على مسرح الأحداث بعد تبنيهم الدعوة الإسلامية في القرن السابع للميلاد ، مرّ التعليم الطبي العربي في مدّ وجزر . وهذا ما يتناوله هذا الكتاب .
وسأركز بشكل خاص على التعليم الطبي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، لأن هذه المرحلة امتازت بقيام مدارس طبية يتم التعليم فيها بما يشبه التعليم في أيامنا الحاضرة .
الطب في العصر الجاهلي وفجر الإسلام :
قبل قيام الإسلام لم تكن الجزيرة العربية معزولة عن العالم المتمدن آنذاك ، بل كانت على اتصال وثيق بالحضارة البيزنطية عن طريق القبائل العربية من بني جفنة ( الغساسنة ) الذين استوطنوا بلاد حوران وشرقي الأردن وفلسطين ، وبالحضارة الفارسية عن طريق العرب اللخميين ( المناذرة ) في الحيرة بين النجف والكوفة بالعراق .