من مؤرخه ابن أبي أصيبعة بل إن فيها قسطا من سخاء الأمير وجزيل عطائه . يشهد به الطبيب نفسه في مقدمة كتابه زاد المسافر وخاتمته يؤيده شعره ويكذب الرواية التي ذكرها ابن أبي أصيبعة ومفادها أن ابن الجزار كان لا يركب قط إلى أحد من رجال أفريقية ولا إلى سلطانهم ، مع أنه يذكر في الرواية نفسها أنه يركب يوم الجمعة من كل أسبوع إلى المهدية وينزل ضيفا على عم السلطان . وهل يعقل أنه يحل بالقصر المجاور لقصر الأمير ولا يطلب المثول بين يديه لتقديم مراسم الطاعة والولاء وعبيد اللّه هو من هو . اللهم أن يفهم أنه لم يركب إلى رجال الدولة طوعا لمجالستهم والسهر معهم اقتداء بأجلاء علماء القيروان أضراب الإمام سحنون الذين كانوا يجتنبون رجال السلطة خوفا من الانزلاق في التواطؤ معهم .
ومما ذكر عنه أنه لم يذهب إلى الحج لأداء الفرض والاجتماع بعلماء مصر والشرق ليستفيد منهم ويفيدهم مثل ما جرت به العادة ، ذلك لأنه كان شيعيا على مذهب الأمير ومنقادا لسياسته ، وما فيها من الغموض والكيد لأهل القيروان . ألم يشدد عليهم عبيد اللّه الحج ؟ ألم يأمر بأن يكون طريقهم على المهدية وأن لا يتعدى هذا الطريق أحد حتى يدفع غرامة قد وضعها على الحجيج ؟ وقد همّ بالذهاب إلى الأندلس وإن لم يذهب فذلك انسجاما منه مع العبيديين للوحشة التي كانت بينهم وبين الأمويين أصحاب الأندلس . ويذكر ابن أبي أصيبعة من ناحية أخرى أن ابن الجزار كان يصطاف أيام القيظ من كل عام برباط بساحل البحر الرومي ( 1 ) . إن من يعلم أن أهل الرباطات كانوا على مذهب أهل المدينة وأشد الناس محافظة على مذهبهم وأنّ السنيين كانوا عرضة لاضطهاد الشيعة من غير رأفة ولا حنان يستغرب هذه الرواية . وأخيرا نجد بين كثير من الكتب مثل معالم الإيمان لابن ناجي والمدارك لعياض ذكر أحمد بن الجزار في التعريف بكثير من رجال القيروان وهي دلالة واضحة على الثقة التي كان يتمتع بها عند المؤرخين والاعتماد على قوله .
وكانت وفاته سنة 369 / 979 ولا نعلم هل كان له ولد .
الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 56
مساهمون: أحمد بن ميلاد
ص٥٦