- تعلم أحمد في صغره وشبابه تعلما شاملا كما هي العادة والمنهج السائد في القيروان . حفظ القرآن وقرأ الفقه والحديث والنحو والآداب وتضلع فيها وألف في النحو والتاريخ ونظم الشعر وأخذ الطب عن أبيه وعمه « 1 » وعن إسحاق بن سليمان وفاق أستاذه هذا بعدد مؤلفاته وتنوعها وفائدتها وطريقة وضعها وغزارة مادتها ورواجها وثبتها بمرور الزمان ولا غرابة إن فاق الفرع أصله .
ومن أوصافه الجديرة بالذكر أنه كان من أهل الحفظ والتطلع . . . عجيبا في صمته وهدوئه ، ولم يحفظ عنه في القيروان زلة ولا أخلد إلى لذة . يشهد الجنائز والأعراس ولا يأكل فيها . . . أليس هذا من شيم الأخلاق والتواضع ؟ وخص الفقراء بكتاب في الطب وهي ظاهرة اجتماعية لم نجد ما يماثلها عند القدماء وأطباء العرب من قبله وبفضل هذه الأخلاق الحميدة والسيرة المثلى وتضلعه في الطب وقع عليه في مهنته إقبال عظيم فكانت عيادته تغص بالحرفاء . يروى أنه جاءه يوما ابن أخي النعمان قاضي القيروان وخليفته في القضاء فلم يجد مقعدا يجلس فيه . كان ابن الجزار يجلس للعلاج والتعليم بداره ويصنع الدواء من أشربة وأدهان وأقراص وغيرها بنفسه ويجعلها بين يدي غلام اسمه رشيق يجلس بسقيفة الدار ليسلمها إلى أصحابها ويتسلم الثمن وأجرة الطبيب ، وليس لنا علم بمقدار هذه الأجرة ونسبتها . وما نعلمه أن ابن الجزار كان غنيا وخلف بعد وفاته ثروة هائلة تعد بأربعة وعشرين ألف دينار ذهبا وخمسة وعشرين قنطارا « 2 » من الكتب « 3 » ، وكل يعلم أن الكتب بالقلم كانت على الرق وهي جلود مصنوعة صناعة مثل الورق وثمنها باهظ ، والكتب للمؤلف كالآلة للصانع تعكس سعة معلوماته . وليست الكتب التي ذكرها ابن أبي أصيبعة كلها مجلدات بل أكثرها رسائل ، وعبثا سميت كلها كتبا ، ويدخلنا الشك أن هذه التركة كانت كلها من كدّ يمينه حسب ما نفهمه
هامش
( 1 ) المظنون أن أباه وعمّه قد أخذا الطبّ عن كتب لاتينيّة ، أو عن يوحنّا ابن ماسويه الذي قدم القيروان سنة 155 ه قادما من بغداد ، وقد ترجم بها كتبا في الطبّ نقلا عن اللاتينيّة .
( 2 ) وزن الدينار الأغلبي 20 ، 4 قسم . والقنطار خمسون رطلا في ذلك العصر .
( 3 ) منها كتب في النحو والتاريخ ، أهمها كتاب في تاريخ الدولة العبيدية لم يقع العثور عليه .