ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه ، يصيب بطنه الماء ، فيثور ويذعر منه فيفرق عنه ، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه .
تأمّل ضروب التدبير في خلق الطائر ، فإنّك تجد كلّ طائر طويل الساقين طويل العنق ، وذلك ليتمكّن من تناول طعمه من الأرض ، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض ، وربما أعين مع [ طول ] العنق بطول المناقير ، ليزداد الامر عليه سهولة [ له ] وامكانا ، أفلا ترى انك لا تفتش شيئا من الخلقة إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة ؟ ! !
العصافير وطلبها للاكل
انظر إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا تجده مجموعا معدّا ، بل تناله بالحركة والطلب ، وكذلك الخلق كلّه ، فسبحان من قدّر الرزق كيف فرّقه « 1 » فلم يجعله مما لا يقدر عليه ، إذ جعل بالخلق حاجة اليه ، ولم يجعله مبذولا ينال بالهوينا « 2 » إذ كان الاصلاح في ذلك فإنه لو كان يوجد مجموعا معدّا كانت البهائم تنقلب عليه ، ولا تنقلع عنه حتى تبشم « 3 » فتهلك . وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر ، حتى يكثر الفساد وتظهر الفواحش .
هامش
( 1 ) - في نسخة : كيف قدّره « هامش البحار » وفي نسخة البحار : كيف قوّته .
( 2 ) - الهوينا : التؤدة والرفق ، وهان عليه الامر : لان وسهل ( أقرب الموارد ) .
( 3 ) - البشم : التخمة ، بشم الرجل من الطعام : اتخم ( أقرب الموارد ) .