الفصل الثاني والعشرون في علاج الوباء والطاعون
قد اختلف الأطباء في جواز الفصد في الطاعون ، ومنعه قوم ، وجوزه قوم قائلين : رأينا قوم فصدوا وعوفوا ، ورأينا قوما فصدوا وماتوا جميعا ، ورأينا قوما لم يفصدوا وعوفوا ، ورأينا قوما لم يفصدوا وماتوا فحارت عقولهم في هذه المسألة .
وذهب قوم منهم محمد بن زكريا الرازي إلى عدم جواز الحكم بالفصد ، كما يمنع فصد الملسوع ، فإن الفصد يمنع حركة الطبيعة إلى دفع المادة إلى خارج البدن ، وذهب آخرون إلى جواز الفصد قبل مضي اثنى عشر ساعة ، أما بعد أكثر من ذلك لا يجوز .
قال كيطاليس الإفرنجي : هذه العلة كغيرها من العلل ، فينظر الطبيب إلى العليل ومزاجه ، فإن وجد امتلاء في العروق وزيادة في الدم ففصد على القوة قدر ، وإلا فلا يفصد ، وإلى هذا ذهب الشيخ الرئيس ابن سينا .
وذهب قوم : إلى جواز الفصد قبل خروج الطاعون وبروزه إلى خارج ، وأما بعد الخروج والبروز فلا يجوز لأنه معارضة للطبيعة ، ويحتمل أن يكون الفصد سببا لدخول الورم وغوره إلى الداخل .
وذهب أكثر المتأخرين من الإفرنج ، ومنهم سنارتوس الجرماني : إلى جواز الفصد إن كان في الدم زيادة ، وفي العروق امتلاء وساعدت القوة على الفصد ، فيجوز كما في غيره من الأمراض ، لكن يجب أن يفصد هاهنا من الطرف الموافق ، لأن المادة سمية يخشى عبورها على القلب عند الفصد من الخلاف .
قال سنارتوس الجرماني : إن كان الورم السميّ في شقي البدن وكان الوجع شديدا : فصد من أقلها وجعا .
فإنه إذا فصد من الطرف الذي هو أقل وجعا : يخشى أن يشتد الوجع ويزيد