ومنه ما المراد منه النشوة ، مع أشياء أخرى ، كالخمر ، والماء ، يشرب لأمور أحدها أن يغذو باختلاطه بالأجسام الغازية . كما يغذو الهواء الروح ، باختلاطه بالأجرام الخلطية . فإن الماء الذي يطبخ فيه اللحم ، وهي المرقة . ليست تغذي « 1 » بما فيها من الأجزاء اللحمية فقط بل بجملتها .
وثانيهما : أن يطبخ مع الغذاء في المعدة حتى يصير كيلوسا « 2 » ، يتهيأ معه نفوذ الغذاء في مجاري الكبد لشدة ضيقها ، لينهضم في الكبد ، لأن الغذاء إنما ينفذ فيها إذا ترقق جرمه جدا . وذلك يتم بأمرين . إما بذوبان ما فيه من الأرضية واستحالتها مائية ، كما يحدث للغذاء الذي ينهضم في حواصل الطيور الكواسر ، وإما بمخالطة الأجزاء المائية ، لتمتزج بها الأجزاء الأرضية ، فصير منهما جرم دقيق .
والأمر الأول لا يتم إلا بالحرارة الشديدة جدا ، وهي لا توجد في الإنسان ، ولا في غيره من الماشية ، لأن هذه الحيوانات ليس فيها من الحرارة الشديدة ، كما في الجوارح من الطيور .
فلذلك لا بد للإنسان ونحوه من المائية لأجل هذه المنفعة .
وثالثها ، أن ينفذ الغذاء إلى أقاصي الأعضاء ، في المجاري الضيقة ، ولذا قال أبقراط :
الرطوبة مركب الغذاء .
ورابعها ، أن يعدل « 3 » ببرده أمزجة الأعضاء ، فلا تجف من شدة تسخين الحرارة ، الحادثة عن الحركة ، ونحوها ، فيكون منزلة الماء من الأعضاء في تعديلها ، منزلة الهواء « 4 » في تعديل الروح . وإنما كان معدل الأعضاء ، أشد بردا من معدل الروح ، مع أن الروح أشد حرارة ، لأن الروح لشدة لطافتها يسهل استحالتها ، وانفعالها ولا كذلك الأعضاء .
هامش
( 1 ) : . تغذوا .
( 2 ) كيلوس : الطعام إذا خرج من المعدة .
( 3 ) ب : تعدل .
( 4 ) أ : الهوى .