وسألوه إحضاري ، فحضرت وشاركتهم في مداواته ، وتوسمت بخدمته ، فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها ، وقراءة « 1 » ما فيها من كتب الطب ، فأذن لي فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة . في كل بيت منها ، صناديق كتب ، بعضها على بعض ، في بيت منها كتب العربية والشعر وفي آخر الفقه . وكذلك في كل كتب علم مفرد ، فطالعت فهرست كتب الأوائل ، وطلبت ما احتجت إليه منها ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط ، ولا كنت رأيته من قبل ، ولا رأيته أيضا من بعد ، فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها ، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه .
فلما بلغت ثمانية عشر من عمري فرغت عن هذه العلوم كلها ، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ، ولكنه اليوم معي أنصح ، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد « 2 » لي بعده شيء . ثم مات والدي وتصرفت في الأحوال ، وتقلدت شيئا من أعمال السلطان ، ثم إني انتقلت من بخاري إلى بلدان أخر ، وأنا إذ ذاك على زي الفقهاء بطيلسان « 3 » ، ثم منها إلى جرجان ، وبها اتصل بي أبو عبيد الجوزجاني . « 4 »
قلت : هذا ما حكاه الشيخ عن نفسه لأبي عبيد ، لكنه باختصار قال أبو عبيد :
شاهدت أنا من أحواله ، إنه كان بجرجان رجل يقال له ، أبو محمد الشيرازي ، يحب هذه العلوم وقد اشترى للشيخ دارا في جواره ، وأنزله بها ، ثم إن الشيخ انتقل إلى الريّ « 5 » ،
هامش
( 1 ) أ : وقرأت
( 2 ) أ : يتحدد .
( 3 ) : . وتحت الحنك !
( 4 ) : . الجرجاني .
( 5 ) الريّ : مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن ، كثيرة الفواكه والخيرات ، وقال العمراني ، الريّ بلد بناه فيروز ابن يزدجرد وسماه رام فيروز ، ثم ذكر الري المشهورة بعدها وجعلها بلدتين والري مدينة عجيبة الحسن ، انظر الحموي : معجم البلدان ، دار صادر بيروت 3 / 116 وما بعدها .