مرّ بقرية من قرى بعلبك « 1 » تسمى رمانة ، فرأى فيها نباتا كالمنثور في لونه وكونه فوقف متعجبا في حسنه ، فقال له بعضهم : وأزيدك عجبا ، تغنى له بيتين فإنه لا يزال يهتز ويضطرب حتى يسقط ورقه ويذبل : ثم اندفع يغنى ويرجّع صوته ، ويقول :
( من السريع ) .
يا ساكنا بالبلد البلقع * * * ويا ديار الظاعنين اسمعى
ما هي ديارى ولكنها * * * ديار أحبابي فنوحى معي
فاهتز النبات وطرب حتى سقط « 2 » ورقه وذبل .
فصل : « 3 »
ومما يضارع فيه « 4 » النبات والحيوان ، أن الإنسان شجرة سماوية ، أصلها إلى فوق ، وفروعها إلى أسفل ، وكما أن للنبات قوة التغذية ، وله قوة مولدة في العقد والنمو والبزر الذي به يحفظ ذلك النوع ، فالعقد بمنزلة الأرحام ، والنمو كالبيض والتولد منهما كالتولد في البيض والرحم ، لكن النبات يجتمع فيه الأمران بخلاف الحيوان ، وقالوا لما أشبه النبات الحيوان من حيث النشوء والتغذى والنمو والقوى الأربع ، التي هي الجاذبة ، والمماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، شاركه في اختلاف الصّفات من تبدلها من صغر إلى كبر ، وطول بعد قصر ، ومن تولّد بعض النباتات من نباتين كبذر الكرنب والسلجم « 5 » إذا خلطا وتركا ثلاثة أشهر ، ثم زرعا خرج الكل سلجما ، ومما أشبهه فيه الذكر والأنثى كما هو مشاهد في النخل ، فإنه محتاج إلى التلقيح ، وقد تهب ريح تؤدى رائحة الذكر والأنثى ، فيقوم مقامه ، ومما أشبهه فيه أنه
هامش
( 1 ) من مدن الشام ، وبينها وبين دمشق اثنا عشر فرسخا ، انظر ياقوت معجم البلدان ، 1 / 453 .
( 2 ) " تناثر " في المخطوطة غ .
( 3 ) ورد هذا الفصل في " مفتاح الراحة " المرجع السابق ، ص 91 وما بعدها .
( 4 ) " به " في المخطوطة غ .
( 5 ) أو الشلحم ، وانظر المقصد الرابع ، رقم . . .