يشكو إليّ خلفة دائمة به فوصف لي شيئا ذكر أنه استعمله قبل وصفي ولم ينفع ولما طال ذلك بي وبه ترك استقصائى وأقبلنا نلتقى دائما للنظر والبحث وطال مقامي عنده فرأيت أنه يقوم إلى الخلاء قياما متواترا بعقب النوم ثم تحتبس طبيعته وقتا طويلا فسألته : هل تلك الحالة بعد النوم ؟ فقال : نعم فحدست إن خلطا حادا ينزل من رأسه إلى معدته فيهيّجها على دفع ما فيها وذلك أنه كان يتبزق دائما في يقظته فأمرته بحلق الرأس ودلكه بالأدويه الحارة مثل الخردل والفرفيون فانقطع .
وقد يكون سبب الخلفة رداءة التدبير في الغذاء إما في كميته بأن يكون كثيرا فتضعف المعدة عن هضمه فيفسد فيصير فضلا تدفعه الطبيعة وإما في كيفيته بأن يكون لطيفا سريع الاستحالة كاللبن والسمك فيفسد بأدنى سبب ويندفع أو يكون لزجا مزلقا كالاجاص ينزلق إلى الأمعاء قبل انهضامه أو يكون بشعا أو لذاعا فتكرهه الطبيعة فتدفعه قبل الأنهضام أو يكون نفاخا يولد رياحا تمنع اشتمال المعدة على الغذاء فيفسد ويندفع ويعرف كل ذلك بتقدم الأسباب .
أو سوء الترتيب مثل تقديم الغذاء اللين الخفيف الهضم المزلق وتأخير الغذاء القابض العاصر فإنه ينزلق معه عند نفوذه إلى الأمعاء قبل انهضامه أو تأخير سريع الاستحالة كالاسفيدباج عن بطىء الاستحالة كالحصرمية فينهضم السريع ويبقى هناك إلى أن ينهضم الغليظ ولا يجد سبيلا إلى النفوذ في الأمعاء لوقوف الغليظ في طريقه فيفسد ويفسد ما تحته بالمجاورة المخالطة وتستدعى الطعام الفاسد الطبيعة إلى دفعه كما هو عادتها لتضرر البدن به وعدم صلاحيته للتغذية .
وعند بعضهم سوء الترتيب : هو أن يقدم اللطيف على الغليظ فإنه حينئذ ينهضم اللطيف قبل الغليظ للطافته ولقوة هضم قعر المعدة وإذا انهضم انفتح البواب بالضرورة ليخرجه إلى الأمعاء فيستصحب شيئا من الغليظ قبل الهضم ويتولد منه السدد في الكبد والماساريقا والأمعاء . ولو قدم الغليظ ، لكان في قعر المعدة واللطيف المؤخر في أعلاها ولا شك أن الهضم في قعر المعدة أقوى فكما ينهضم اللطيف بالهضم الضعيف ، ينهضم الغليظ بالهضم القوى فيتكافأ الهضمان من غير ضرر .
والحق أن التفاوت بين الغليظ واللطيف في قبول الهضم إن كان في مقدار
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني ) — صفحة 679
مساهمون: مؤسسه احياء طب طبيعى
ص٦٧٩