الفاصل الذي يوصل الفهم الإنسانى إلى كنتها ولا تستوعبه في صندوق أوهام الخلائق .
وإنما هو أمر موقوف على العون والفضل والحال . وقد قال رأى حال العقل والنقل المتأخر : [ بيتين ترجمتهما ]
عندما يطمئن الرجل على علمه * يزجى وقته فيما لا طائل فيه بعين عدوه
ولا ينفعه العراف ولا المتنبئ * فلا ينفعه المرشد ولا المنجم
والخلاصة ، أن نائب السلطنة كان يوصل إلى أهالي كل مدينة قسما من الإحسان والإنعام الذي كان يصبح أساس حيرة الجميع وباعثا على رغبة الرعية ورضا الصغير والكبير في تلك الولاية ، وعلى الخصوص في أوقات قراءة الخطبة التي كانت تذكر اسم الهمايون صاحب الجلالة السلطانية حيث كان قد أوجب على نفسه أن يرتدى السامع والحاضر الخلعة ويذوق الطعام الحلو من بركة ذلك الاسم الميمون العاقبة [ ص 355 ] وفي ذلك اليوم صار جميع الأعيان والأشراف والنجباء والخطباء والفضلاء والزعماء والرؤساء والفقراء وحتى خدام المساجد موضع الخلعة والإنعام والتصدق ومد موائد الطعام والخيرات . وقد صدر الحكم المحكم بأن يستردوا كل شئ وأفراد الأسرى من الأمراء والحكام والجيش المنصور ، الذين كانوا قد أحضروهم ، ويردوهم إلى أصحابهم ولم يبق لأي شخص أسير تحت الحراسة . وقد قسم الأموال والدواب على فرسان الجيش ، والخمس من الغنائم على الجند والمدفعيين الذين لم يذهبوا إلى الإغارة .
ولم يأخذ لنفسه شيئا من كل هذه الغنائم والمكاسب التي لا تعد ولا تحصى ، وكان يشترى حلى خيول المدفعية ، التي كانت قد هلكت في أثناء المعركة ، بسعر أعلى . وفي وضع قيادة الجيش وتوجيهه والإنعام عليه ، وحيث كان قد تعهد في هذا السفر كل أمير وقائد بذلك ، فقد كان يساوى في سلوكه مع جميع الخلائق . ومثلما كان جميع الأبطال وأفراد الجيش المقترن بالنصر يعيشون وقت الأمطار والجليد في خيمة بلا غطاء ، كان نائب السلطنة أيضا قد حرم على نفسه الخيمة المغطاة والمشمع والسرير في نومه وراحته ، وكان يقرع الطبول في الخيمة مباشرة ، وكان ينام مثل سائر الجنود مفترشا الأرض .