وقد صار أقل مجند حديث صاحب مال وحشم من أموالهم ، وقد دمروا موقعين من الشكرد وحتى مسافة ثلاثة فراسخ من ديار بكر ، أحرقوها وأشعلوا فيها نيران النهب والغارة . وكان قد عين على جميع الجهات في تلك الحدود عربتى مدفع وعشرة آلاف من الفرسان والمشاة . وبلا شك كان يوجد في كل واحدة من قرى تلك الديار عشرون ألفا من المشاة والفرسان الجرارة بالحراب النافذة والمدفعية المحملة بالنيران وسائر معدات المعركة والقتال ، وكان مدفعيوها مدربين على القذف بالمدافع كآثار البرق والفرسان العرب الماهرين في المعركة والمجاهدون الأكراد والألوار وهم فرسان حلبة ومضمار الافتخار ، يلقون إعجاب أعين ومصابيح فرسان إيران ، وكانوا يستصعبون هزيمة مائة فارس منهم بمائتى فارس في ميدان المعركة . وبالرغم من ذلك وبالتأييد من الرب المجيد وبقوة الطالع والحظ السعيد ، صار الجيش القليل صاحب الوضع عن الجيش الكبير ، [ ص 354 ] وحصلوا على ذلك القدر من الأسرى ، حيث زاد عدد الأسرى المحبوسين على عدد الجيش المأنوس بالنصر . ولو كانوا ينفذون حكم القتل العام طبقا لقاعدة جيش المغول في حشر مرو ونيسابور لوصل أن يقتل الفرد الواحد من الجيش المنصور عشرين فردا من الأسرى . ولكن النواب نائب السلطنة ، الذي سيطر في هذه الرحلة على تلك الممالك ، قد غرس بذور المحبة والإخلاص في القلوب ، وجذب قلب الوضيع والشريف ، وحيث اعتبر كل أهالي الروم وعقلاء تلك المناطق والأراضي أن سيطرة وبسط نفوذ الدولة الخالدة هي من أنواع نعم ومراحم الخالق لهم ، وأقروا واعترفوا بذلك : " لم نكن قد رأينا مطلقا من الدولة العثمانية مثل هذا النوع من الإحسان والإكرام وفراغ البال والراحة " . وقد صار كل واحد من المجاهدين مصدرا للخدمة في هذه الرحلة والتي لم تتيسر لهم في أية رحلة مطلقا . ووصلوا إلى مال وثروة لم تكن تخطر ببال أحد . ولم يكن يرضى أي أحد من الغلمان مريدى الدولة وعبيد الإرادة بتحريك رايات النصر في فصل الخريف والرياح والبرد والجليد هذا وفي الأمر نفسه أيضا ومثلما كان ولم يكن يصدق بالمصلحة .
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
« 1 » ولكن الألطاف الإلهية الخفية والعطية الكبرى لكبرياء وقوة إقبال فاتح العالم هي الأمر
هامش
( 1 ) من الآية الكريمة رقم 216 ، سورة البقرة . ( المترجم )