فلا بد من أن يكون في أعلى العنق أحد هذين المجريين يحتاج عند انفتاحه إلى تضيق الآخر ، وذلك « 1 » بأن يكون انفتاحه عند انطباق الآخر فإن هذا المكان غير متسع لانفتاحهما معا في وقت واحد وإذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ولكن حاجة هذا المجرى إلى الانفتاح هو في أوقات متقاربة جدا بخلاف مجرى الغذاء فإنه إنما احتاج إلى الانفتاح عند ازدراد الطعام ، وذلك إنما يكون في أوقات متباعدة فلذلك كانت حاجة مجرى النسيم إلى الانفتاح أكثر كثيرا من حاجة مجرى الغذاء ، فلذلك يجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ، لأن المجرى المقدم أسهل انفتاحا من المؤخر لأن المقدم لا عائق له عن الانفتاح إلا من ورائه فقط إذ لا مزاحم له في باقي الجهات ، ولا كذلك المجرى المؤخر فإنه يكون نحيف « 2 » بالأعضاء وهي لا محالة مزاحمة معاوقة عن الانفتاح فلذلك يكون انفتاح المجرى الداخل أعسر ، فلذلك وجب أن يكون مجرى النسيم يحتاج « 3 » من قدام لأنه أشد حاجة إلى كثرة الانفتاح وإنما يسهل ذلك إذا كان موضوعا من قدام .
ورابعها : أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون صلبا ليمكن حدوث الصوت بانقراعه بالهواء الخارج منه بقوة ، ولا كذلك مجرى الغذاء فإن اللين أوفق له ليمكن أن يتشكل تجويفه المزدرد ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام لأنه لأجل صلابته يقل انفعاله عن المصادمات ونحوها .
وخامسها : أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون في أعلى الحنجرة وهي تحتاج أن يكون تجويفها متسعا لما نقوله بعد . وأعلى العنق ضيق فواجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ليتمكن أعلى العنق أن يتمدد إلى قدام ، ويبرز عن مسامتة باقي أجزاء العنق ولا يمكن ذلك إذا كان هذا المجرى من خلف لأن مجرى الغذاء كان يعاوق عن هذا البروز قوله : دوائر وأجزاء دوائر .
أما أسافل القصبة فإنها دوائر تامة ليكون ما يحتوى عليه من التجويف أوسع وأما اجزاء الدوائر فإنها إنما تكون في أعالي هذه القصبة / وذلك لأن هذه القصبة هناك تلاقى المرىء ويضيق المكان عن تجويفى هذه القصبة / مع تجويف المرىء فلذلك يحتاج أن يجعل التجويفان في تجويف واحد ، فيكون عند ازدراد اللقمة واحتاج المرىء إلى الاتساع لها يستعين المرىء بتجويف هذه القصبة فيتمدد جرم المرىء من قدام حتى يلاقى داخل محيط هذه القصبة من قدام .
وإذا دخل النسيم المستنشق في تجويف هذه القصبة واحتيج إلى اتساعها له تمدد جرمها من خلف ودخل في بعض تجويف المرىء ، وإنما يمكن ذلك إذا كان ما بين تجويف المرىء وتجويف هذه القصبة جرما شديدا لقبول التمدد ، وإنما يكون ذلك إذا كان غشاء فلذلك لا يمكن أن يكون غضروفيا فإن الغضاريف لا يسهل قبولها لهذا التمدد . فلذلك مؤخر هذه القصبة هناك لا يكون غضروفيا بل غشائيا .
هامش
( 1 ) ب : كذلك
( 2 ) م ن : باستعانة
( 3 ) م : مجسما