قال الإمام إبقراط « 1 » إنّ كشك الشّعير عندي بالصواب ، أخير « 2 » على سائر الأغذية « 3 » التي تتّخذ من الحبوب في هذه الأمراض . وأحمد من قدّمه واختاره على غيره . وذلك لأنّ فيه لزوجة معها ملاسة ، واتصال ، وزلق ورطوبة معتدلة ، وتسكينا من العطش ، وسرعة انغسال ، إذا احتيج إلى ذلك أيضا منه . وليس فيه قبض ، ولا تهييج « 4 » ردئ . ولا ينفخ في المعدة ولا يربو « 5 » في المعدة ؛ لأنه قد انتفخ وربا في الطّبخ ، غاية ما كان يمكن فيه أن ينتفخ ويربو .
معناه : أنّ كشك الشّعير فيه لزوجة ، معها ملاسة ، واتصال ، وزلق ورطوبة معتدلة ؛ وفيه تسكين من العطش ، وسرعة انغسال . والسبب في لزوجته أنّ ما ينفصل من الشّعير عند الطبخ من الأجزاء الأرضيّة ، يشتدّ امتزاجها بالماء الذي « 6 » يطبخ فيه ، فلذلك يكون فيها جوهر لزج ؛ لأن المائيّة تكون فيه - مع ذلك - كثيرة .
والسبب في ملاسته ، أنّ هذه الأجزاء التي تنفصل عن الشّعير تكون متصغّرة الأجزاء جدّا ، فلا يحدث منها مع الماء « 7 » جرم خشن ، كما يكون في طبيخ الكرسنّة ونحوها ؛ لأنّ أرضيّة الكرسنّة غليظة .
والسبب في اتصاله ظاهر . وذلك لأنّ جميع الأجزاء اللّزجة ، فإنها شديدة الاتصال . ولذلك
هامش
( 1 ) من الغريب أن يستدعى العلاء ( ابن النفيس ) هنا كلام أبقراط ، وينصّ عليه ، ثم يشرحه . . خاصة أن ما يقرره أبقراط في هذه الفقرة ليس خطيرا ، وهو من باب المعارف الطبية المتوارثة والملاحظات التي طالما سجّلها الأطباء .
وعلى كل حال ، فقد عرف عن العلاء ( ابن النفيس ) عمق تقديره لأبقراط على الرغم من إفراطه في التقليل من شأن الطبيب اليوناني الآخر : جالينوس ( راجع كتابنا : علاء الدين ابن النفيس القرسى ، إعادة اكتشاف - المجمع الثقافي / أبو ظبي ، ص 66 ) .
أما أبقراط فهو الطبيب اليوناني الأشهر : هيبوكراتيس بن هيراكليدس الكوسى ( نسبة إلى جزيرة : كوس ) الذي عرف في التراث الطبى العربي بالفاضل أبقراط . ولد سنة 460 قبل الميلاد في كوس وتوفى في لاريسا في حدود سنة 380 قبل الميلاد .
وكان أبقراط هو أول من دوّن علم الطب ، وكان قبله يتوارث شفاهة . . وترك مجموعة من المؤلفات تبلغ اثنين وسبعين كتابا ، اشتهر منها اثنا عشر كتابا ، كانت في تاريخ الحضارة العربية / الإسلامية بمثابة المقرر الدراسى الأساسي لطلاب الطب ( للمزيد ، راجع : شرح فصول أبقراط ، بتحقيقنا - المقدمة ، ص 17 وما بعدها ) .
( 2 ) هكذا وردت الكلمة في المخطوطتين ، وهي صيغة تفضيل نادرة الاستعمال ، الراجح أنها من وضع حنين بن إسحاق الذي ترجم عديدا من كتب أبقراط .
( 3 ) ن : الاغديه .
( 4 ) ن : تهيج .
( 5 ) : . ولا يربوا ( وهكذا في بقية المواضع التالية التي وردت فيها الكلمة ) .
( 6 ) ن : الجسر !
( 7 ) ن : ماءه .