ونقول الآن : إنّ جميع النباتات المشتملة على مادّة تصير منها . . فإنها لا محالة تكون ذات رطوبة غريبة . . لتكون شديدة القبول لما من شأنه أن يتكوّن منها سواء كان ذلك المتكوّن لبنا كما في اليتوعات ، أو صمغا كما في النبات التي تخرج منه الكثيراء ونحوها من الصموغ ، وكالخشخاش الذي يخرج منه الأفيون أو دهنا كالنبات الذي يخرج منه دهن البلسان ، أو كان غير ذلك ، كالنبات الذي يخرج منه القطران والعلك . . إلخ .
وهذا الحرص على تأكيد المبادئ العلميّة العامة ، هو ما يعطى لكتابة العلاء ( ابن النفيس ) قيمة معرفيّة ، ترقى بها عن بقية الكتابات الأخرى ، التي حرص أصحابها على ذكر أفعال هذا النبات أو ذاك ، دون العناية بالعلل والمبادئ - التي هي أساس المعرفة العلميّة - ظنّا منهم أن تلك الأمور تخرج عن نطاق البحث الصيدلاني ، إلى مجال البحث في الطبيعيات .
كما لا حظنا أيضا ، أن العلاء لم يقتصر على تخطّى النطاق الصيدلانىّ إلى المجال الطبيعي فحسب ، بل نرى عنده لمحات تتعدّى إلى ميدان البحث في طبائع الجماعات . . وهو ما نراه مثلا ، في تعليله البديع لكثرة العشق عند الأعراب وهو ما قدّمه لنا في الفصل الثاني من مقالة الجمل حيث ذكر أن لحوم الإبل تقوّى على الجماع ، وتكثر من الشهوة والإنعاظ . ولما كان عزّابهم لا يجدون متنفّسا لما فيهم من قوّة الشهوة : إذ هم لأجل انقطاعهم عن المدن ، لا يجد أحدهم من النساء - غير أقاربه وجيرانه وخلطائه ، ممن يعسر على أولى المروءات معاملتهم بذلك - فلذلك يكثر المنىّ في أبدان العزّاب من الأعراب ويحدث لهم العشق كثيرا وشديدا . ولا بد هنا من الإشارة إلى أنّ العلاء وغيره من مشاهير الأطباء ، كانوا يرون في العشق حالة من الاختلال النفسي ، وخروجا عن الأمر الطبيعي . . ومن هنا أفرد له ابن سينا فصلا من القانون ضمن كلامه عن الأمراض النفسية !
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 230
مساهمون: ابن النفيس
ص٢٣٠