القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه . وإن أخرج شيئا من فيه صرف وجهه عن الطعام ، وأن لا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ولا الخل في الدسومة ، فقد يكرهه غيره ، وأن لا يقطع اللقمة بسنه ، وأن لا يغمس بقية اللقمة التي قطعها بسنه في المرقة والخل .
وقد أوصى حكيم ابنه أن يلتزم بهذه الآداب فقال : « إذا أكلت فضم شفتيك ، ولا تلتفتنّ يمينا وشمالا ، ولا تتخذن خلالك قصبا ، ولا تلتقمنّ بسكين أبدا ، وإذا كان في يدك سكين وأردت التقاما فضعها على مائدتك ثم التقم . ولا تجلس فوق من هم أسن منك وأرفع منزلة ، ولا تتخلل بعود آس ، ولا تمسح بثياب بدنك ، ولا ترق ماء وأنت قائم « 1 » » .
ومن آداب الأكل والمؤاكلة عند العرب أن لا يأكل المرء حتى درجة الشبع والامتلاء فإذا أكل أحدهم فلا يحل إزاره فتتسع أمعاؤه ، كما نصحوا بتصغير اللقم وتشديد المضغ ومص الماء في الشرب ، والقعود على الإلية أثناء تناول الطعام ، وإذا فرغ الآكل منه فلا يقعد ويسترخي بل ليجىء وليذهب فذلك أسرع في هضم الطعام كما هو معروف .
ومن أقوالهم المعروفة في هذا المجال :
« تعشّى وتمشّى » وذلك لئلا ينام الآكل ومعدته ممتلئة فيصاب بأمراض الهضم وغيره .
وللعرب أسماء كثيرة أطلقوها على من يحاول مخالفة آداب الطعام ولهم في ذلك مصطلحات خاصة سموا بها فئة من الناس لا يراعون آداب المؤاكلة محاولين الاستئثار بالطعام دون مؤاكليهم .
لذلك فقد أطلقوا اسم « النشّاف » على الذي يأخذ حرف الجرذقة فيفتحه ثم يغمسه في رأس القدور ويشربه الدسم استئثارا به . وسموا « النشال » الذي يتناول من القدر ويأكل قبل النضج وقبل انزال القدر عن النار . وقالوا « المرسال » للرجل الذي يضع في فيه لقمة هريسة أو ثريدة أو حسية أو أرزة ويرسلها في جوف حلقه إرسالا .
و « اللّكام » عندهم هو الذي يضع اللقمة في فيه ثم يلكمها بأخرى قبل إجادة مضغها أو ابتلاعها .
هامش
( 1 ) عيون الأخبار : ابن قتيبة ج 3 - ص 221 .