في مجالات اختصاصهم على نحو ما نراه اليوم في أكبر الدول المتقدمة .
وكلنا يعلم ما سطره التاريخ عن سيف الدولة وعن بلاطه الذي كان يعج بالعلماء والأطباء والفلاسة واللغويين والمغنين والشعراء . واجتذاب سيف الدولة لهم من أقاصي البلاد حتى أصبحت حلب إلى جانب دمشق مركزا ثقافيا علميا يلتقي فيه من أراد البحث والاستقصاء . وكان سيف الدولة يغدق على هؤلاء جميعا الأعطيات والهبات والهدايا .
وكان من بين هؤلاء الشعراء إلى جانب المتنبي طبعا وأبي فراس الشاعران أبو بكر وأبو عثمان الخالديان « 1 » وكانا من خواص شعراء سيف الدولة . فبعث اليهما مرة وصيفة ووصيفا ، ومع كل واحد منهما بدرة وتخت من ثياب . فقال أحدهما من قصيدة طويلة يمدحه ويشكره لأنه أمن لهما جميع لذائذ الحياة من مأكول ومشروب وملبوس :
لم يعد شكرك في الخلائق مطلقا * إلا ومالك في النوال حبيس
خولتنا شمسا وبدرا أشرقت * بهما لدينا الظلمة الحنديس « 2 »
رشأ أتانا وهو حسنا يوسف * وغزالة هي بهجة بلقييس
هذا ولم تقنع بذاك وهذه * حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة * وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وبررتنا مما أجادت حوكه * مصر وزادت حسنه تنيس « 3 »
فغدا لنا من جودك المأكول وال * مشروب والمنكوح والملبوس
وكان سيف الدولة ناقدا للشعر عالما متذوقا له . فقال : « أحسنت إلا في لفظة « المنكوح » فليست مما يخاطب بها الملوك . وهذا من عجيب نقده « 4 » » .
هامش
( 1 ) الخالديان : هما أبو بكر محمد ، وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان شاعران اشتركا في قرض الشعر . وتفوقا فيه وقد شجر خصام بينهما وبين السري الرفاء لأنه دس أحسن أشعارهما في شعر كشاجم . وكان أبو بكر أكبر الأخوين . وهما من شعراء المائة الرابعة الهجرية : ( خريدة القصر وجريدة العصر ج 3 - ص 27 . ط بغداد سنة 1978 م ) .
( 2 ) الحنديس : أصله الحندس بكسر الحاء والدال جميعا . والحندس : الليل الشديد الظلمة .
( 3 ) الحوك : النسج ، وتنيس : مدينة قديمة بمصر اشتهرت بالنسج .
( 4 ) يتيمة الدهر : ج 1 - ص 23 .