ونظافته وطيب طعمه ، وكثيرا ما كان ينصح جلساءه ومؤاكليه في التأكد من هذه الأمور فينصح بعضهم ، ويخجل بعضهم الآخر معتقدين أن معاوية يعد عليهم اللقم ويراقبهم فيما يأكلون كما جرى في هذه الحادثة الطريفة :
« فقد أجلس معاوية وهو في مرتبة الخلافة وفي السطح من قريش ، وفي نبل الرأي ، وجودة البيان ، وكمال الجسم ، وفي تمام النفس عند الجولة ، وعند تقصف الرماح ، وتقطع السيوف رجلا على مائدته مجهول الدار ، غير معروف النسب ، ولا مذكورا بيوم صالح . فأبصر في لقمته شعرة فقال : خذ الشعرة من لقمتك . ولا وجه لهذا القول منه إلا محض النصيحة وإلا الشفقة . فقال الرجل : وانك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة ؟ لا جلست لك على مائدة ما حييت ولأحكيها عنك ما بقيت . فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل : تغافله عنه ، أم شفقته عليه ؟ فكان هذا جزاؤه منه ، وشكره « 1 » له » .
وكثيرا ما كان معاوية يدعو الناس إلى مائدته ويؤاكلهم مؤاكلة الصديق شرط أن لا يتجاوزوا حدود الآداب في المؤاكلة .
فقد روي « أن معاوية كانت تعجبه القبة « 2 » وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان « 3 » فتناولها من بين يدي معاوية ، فقال معاوية : إنك لبعيد النّجعة « 4 » . قال صعصعة : من أجدب انتجع « 5 » .
فأشفق معاوية عليه وغمره بحلمه ولينه المعروف .
هامش
( 1 ) البخلاء : ص 66 .
( 2 ) القبة : لعلها الكبة الأكلة السورية المعروفة . وهي من أطعمة الروم التي أخذها العرب عنهم فقد سئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام فقال : « ذهبت الروم بالحشو والحسو ، وذهبت فارس بالبارد والحلو . والكبة تعتمد في صنعها على التفريغ ثم الحشو باللحم والجوز واللوز وغيره . وربما من المقبي وهو الطعام الكثير الشحم .
( 3 ) صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث العبدي : من سادات عبد القيس : كان خطيبا بليغا عاقلا . له شعر .
شهد صفين مع علي ، وله مع معاوية مواقف ، مات في البحرين بعد أن نفي إليها بأمر من معاوية سنة 60 ه .
( 4 ) النجعة : نجع نجوعا الطعام في الأسنان : هنأ أكله واستمرأه وصلح عليه . والنجعة : جمع نجع طلب الكلأ في مواضعه وهي اسم من النجوع . وانتجع فلانا : آتاه طالبا معروفه .
( 5 ) البخلاء : ص 136 .