صفاء الذهن واتساع المدارك . . . هل يكون لكل ذلك أثر في صبغ شخصيته باللون الذي أشرنا اليه ؟
كل هذا محتمل ، وإن كانت سجايا البغدادي وخلاله ، سواء أعددناها محامد له أو مذامّ ، وإن كانت هي المرعى الخصب الذي أنبت استقلاله الفكري ، واستعداده للثورة الذهنية . ولا شك أن هذا الاستقلال الفكري الذي دفعه إلى التجرؤ على مهاجمة جالينوس ، في وقت كان تحدى جالينوس فيه يعتبر زندقة قد يكون عقابها الموت حرقا في بعض البلاد ، لا شك في أن هذا الاستقلال كان مصدرا لكثير من متاعب حياته ، كما أثار عليه كثيرا من ضغائن معاصريه .
إن هذه الجرأة على تحدى جالينوس - مع ما كان يكنّه له عبد اللطيف البغدادي من تقدير واحترام - وتفضيل المشاهدة ، وملاحظة الطبيعة ، على الانقياد إلى آراء جالينوس ، مهما بلغت من السطوة والسلطان ، كانت لونا من ألوان الشجاعة العلمية بخاصة في زمانه ، يجب الاعتراف بها لعبد اللطيف البغدادي على أنها مزية فائقة ، ربما غطت كثيرا مما كان يرمى به من عيوب ، ولعلها هي الشفيع الوحيد له في البقاء حيا مذكورا على صفحات التاريخ .
بعبارة أخرى : إن عيبا من عيوب عبد اللطيف البغدادي ، كما كان يراه معاصروه ويصفونه من أجله بالغرور والادعاء ، وهو هذا الاستقلال الفكري ، والاعتماد على المشاهدة أكثر من الاعتماد على أقوال الثقات ، كان له عليه فضل الشهرة التي ينالها اليوم على أقلام المؤرخين ، ولولاه ، لكانت ذكرى عبد اللطيف البغدادي قد طمرت تحت ركام النسيان ، لم يبق منها في الأغلب ، غير ما كتبه عنه ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء .
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 182
مساهمون: سعيد عبده
ص١٨٢