تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
إننا إذا نظرنا إلى شخصية الفرد على أنها تفاعل بين البذرة والتربة ، أو الوراثة والبيئة ، أو النوازع الخلقية والمؤثرات الخارجية ، لتحتم علينا أن نبحث عن بعض آثار هذين النوعين من العوامل في تاريخ البغدادي . يقول شكسبير في مسرحية « يوليوس قيصر » « ليس العيب في نجمك يابروتوس ، وإنما العيب فيك أنت » . . . وعيب البغدادي الخلقي كان قصر قامته ونحوله ، وقلة لحمه ، ودمامة قسمات وجهه ، وهي عيوب تنعكس - في رأى علماء النفس - على صاحبها انعكاسا يؤدى إلى بعض المظاهر البارانويدية - على سبيل التعويض . أما عن العوامل البيئية والأحداث التي قد تكون أسهمت في تثبيت هذه الانعكاسات الخلقية ، وتوجيهها ، فإننا نجد من بينها استهزاء الناس بقبحه ودمامته ، وشيوع تلقيبه بألقاب تحمل كل معاني هذا الاستهزاء كالمطجن وو الجدى الملتحى ! ثم احتقار الشيخ كمال الدين عبد الرحمن الأنباري إياه ، إذ قال لأبيه بعد امتحانه إياه ، وهو ما زال ناشئا في طلب العلم : « إني أجفو عن تعليم الصبيان . . . احمله إلى تلميذى الوجيه الواسطي » . ولعل كبرياءه أصيبت يومئذ بجرح عميق ، بل لعله أصيب بجراح أكثر من هذا القبيل لم يسجلها التاريخ ، وفي الهجاء المزرى الذي اختلف عليه من معاصريه ما يشير إلى احتمال تكرر مثل هذه الجراح . فهل كانت كبرياؤه وصلفه وغطرسته انعكاسا لازدراء الناس له ، وتطبيقا للمثل القائل : « كل ذي عاهة جبار » ؟ ثم هل يكون إعجاب والده به في طفولته ، واستمرار دفعه دفعا إلى الدراسة ، وحياة الطفولة الجادة في محيط الفقهاء والشيوخ ، والبعد عن اللهو في سنى الصبا والشباب ، وبالتالي الحرمان من الاحتكاكات والاتصالات البشرية التي تصقل الشخصية ، ويؤدى انعدامها إلى تعويق النضوج العاطفى ، وبقاء المرء طفلا في سلوكه وانفعالاته العاطفية ، واستجاباته للمؤثرات والأحداث ، مهما بلغ من