وأول ما يتبادر إلى الذهن حين يحاول المرء وضع هذه السمات في الإطار الأكثر مناسبة لها من أطر الشخصية التي ذكرناها ، أن شخصية البغدادي كانت خليطا من نمطين من أنماط الشخصية هما « البارانويدية » بالحظ الأرجح ، مع « الهوس الهين » بقسط قليل .
أخذ من النمط الأول التعالى على الآخرين وازدراءهم ، والحساسية المفرطة ، والميل إلى العزلة ، والعناد ، والإصرار على أفكار معينة يتشبث بها ويكافح من أجلها بغضّ النظر عن النتائج ، وتفسير ما يحدث من حوله بأنه مقصود لجرحه ، وقلة الأصدقاء للافتقار إلى الدف الوجداني اللازم لتكوين الصداقات . . . مع ما يثيره هذا الجانب الأغلب من شخصيته من الإعجاب بإصراره على الدفاع عن آرائه ، وإن لم ينل من هذا غير البغضاء .
وفيه من ملامح « الهوس الهين » عناصر التعالى والغطرسة والعناد كذلك .
والإسهاب في وصف المناظر المؤلمة . وقليل من الميل إلى التفتح والانطلاق .
وما من شك في أن النزعات البارانويدية كان لها بعض الفضل في إثارة حفيظة معاصريه ، ودفعهم إلى نقده ، ومعاداته من كل سبيل .
بيد أن هذه النزعات ليس من شأنها البتة أن تهبط بمستواه العقلي ، أو تحول بينه وبين السمو إلى أعلى ذرا العلم والمعرفة ، فإن التحليل النفساني للكثير من عمالقة العلم والفلسفة ، بل أغلبهم ، يكشف عن أمثال هذه النزعات .
* * * تلك صورة اجتهادية للتشخيص النفساني لشخصية عبد اللطيف البغدادي ، لا نتبيّن فيها التيارات والعوامل الدفينة التي نبعت فيها هذه الشخصية وسجاياها ، فإن هذه التيارات والعوامل لا يمكن تحديدها اليوم بعد عدة قرون من العصر الذي عاش فيه البغدادي إلا بالتخمين . ارتكازا على بعض القرائن المستمدة من هنا أو هناك .
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 180
مساهمون: سعيد عبده
ص١٨٠