يقول فيعظمون بذلك في أعين الناس ويصير بهم حيث فيما بين العجائز والعوام . فتطمئن قلوبهم بهم ، ويزدرون أهل الفضل في هذه الصناعة الذين يستعملون جميع الدلائل التي ذكرنا في تعريف علل المرضى وعلاجهم ، وربما يدسّون في الماء شيئا مثل السكر ، والزعفران ، وينقعون فيه التين ، وسائر ما ينصبغ به الماء ؛ ويجعلونه في القارورة ، ويأمرون أجراءهم ان يقوموا بتقديم أبوال بعض الدواب إليهم فيوصونهم بتعهد علفهم ، ليتحدث الجهال بخدمتهم ، وربما يجربون أسامي الأدوية المشهورة عما هي عليه ويصفون أدوية لا خطر عليها ، ولا فائدة منها ، فيسمونها بأشرف دواء يعرفونه مما هو في الوقت غال غزير مثل المسك ، والعنبر والكافور ، والسريوند الصيني ، وما أشبهها ، وينسبون بعضها إلى الملوك والعظماء والاشراف ، فيغلّون اسعارها وأثمانها ، ويظهرون من أنفسهم ضنا بها وعزا لها حتى لا يطمع أحد في طلب النتيجة منهم ليكثر بها من الناس اقتناعهم على أن الطبيب الماهر ان سمح بنسخ أدوية ووصفها على ما هي عليه كان دليل سماحة وفضل وان ضنّ بها فليس عليه به كبير ملامة ، وبأس . لأن هذا منه من صدق وحذق وذلك منهم عن معرفة ( وبدن ) ، والله هو المسهل طريق الرشاد بمنّه وفضله .
في دلائل النفث وألوانه
النفث رطوبة تجتمع في جوف الصدر من الرطوبات التي تغذّيه ، ومن النوازل التي تنزل اليه فتحتاج الطبيعة إلى دفعتها فتنضم لذلك عضلات الصدر وتدفعها بالنفث فإن كان الصدر سليما ، والقوة صحيحة ، والفضل الذي يقذفه معتدلا خرج بسهولة لا كثير دائما ، ولا متقطعا ، ولا مبعثر اللون ، ومنتن الرائحة ، ولا سهلا ، وما خالف منه هذه الصفة دل على بعض العلل . وقد تختلف ألوان النفث فمن الأبيض الذي ليس بلزج ، والأبيض اللزج والأصفر والأحمر ، والأخضر والزبدي والأسود ، وكل واحد منها علامه . وأردؤهما الأسود ثم الأخضر ثم الأحمر ، ثم الأصفر . والنفث الحميد في ذات الجنب ، أن لا يكون له لون منكر ، ويكون رقيقا ، ويسمى نضجا .
والنفث الذميم ان يكون أصفر وأسود ، وقد يؤول إلى العفن .