النبض أقوى فيه بل لا اختلاف فيه في الأكثر ، إلّا الاختلاف الخاص بالحمّى من دون غيره ، وفي الابتداء لا بد من تضاغط النبض إلى وقت انبساط الحمّى ، ثم يقوّى ويسرع ويتواتر ، ويكون اختلافه ليس بذلك المفرط ، وقد يدل عليه السن ، والعادة والبلد والحرفة والسحنة ، والفصل وكثرة وقوع الغب في ذلك الوقت ، فإذا تركبت غبّان كانت النوائب عائدة كل يوم ، فمن راعى الغبّ بالنوبة غلط فيه ، بل يجب أن يراعى الدلائل الأخرى ، والنوائب تؤكدها ، وأصحاب الغب قد يعرض لهم سهر وحب خلوة ، وكثيراً ما يحسون بغليان عند الكبد .
الفرق بين الغب الخالصة وغير الخالصة : الخالصة لطيفة خفيفة ، تنقضي نوبتها من أرج ساعات إلى اثنتي عشرهّ ساعة ، لا تزيد عليها كثيراً ، فإن زادت كثيرة فهي غير خالصة ، وهي في الأكثر إلى سبع ساعات ، ويسخن فيها البدن بسرعة ، وترى الحرارة تنبعث من البدن والأطراف بعد باردة . وكذلك الخالصة ، لا تزيد إذا لم يقع غلط على سبعة أدوار ، وربما أنقضت للطافة مادّتها في نوبة واحدة ، يقع فيها قيء أو إسهال منقّ ، ويظهر النضج في البول أو في أول يوم ، أو في الثالث أو في الرابع أو في السابع ، فإن زادت على سبعة أدوار زيادة كثيرة فهي من جملة الغير الخالصة ، وكذلك إن طالت مدة نافضها . وتكون تزيد نوائبها ، ويقدّم نفضها على نمط محفوظ النسب متشابهها ، وفي غير الخالصة يكون ذلك محتلفاً غير مضبوط .
وكذلك إذا تشابهت النوائب على حدّ واحد ، وسائر علامات طول الحمّى مما قد علم ، وإذا رأيت الابتداء بنافض على ما حدّدناه ، والانتهاء بعرق غزير ، فلا تشكّ أنها خالصة . والخالصة إذا شرب صاحبها ماء انبعث من بدنه بخار رطب ، كأنه يريد أن يعرق ، وربما عرق .
وغير الخالصة يوجد معها ثقل كثير في الرأس وامتداد ، وتطول النافض والنوبة حتى تبلغ أربعا وعشرين ساعة أو ثلاثين ساعة إلى وقتها ، وتفتر تتمة ثمانية وأربعين ساعة ، وبمقدار زيادة النوبة على اثني عشر ساعة يكون بعدها عن الخلوص . وفي الغب الغير الخالصة يبطؤ ظهور النضج ، ولا يظهر في السحنة قضف ، ولا هزال . وربما لم تقلع بعرق وافرٍ ، وربما لم تبتدىء بنافض قوي . ولا تكون الحرارة بتلك القوة ، ولا يكون تزيّدها مستوياً ، بل كأنها تتزيّد ثم تتقدّم فتنقص ، والأعراض الصعبة تقل فيها .
الغب اللازمة تعرف باشتداد النوائب غباً وبشدة أعراض الغست . وعند " جالينوس " أنَّ الدم إذا عفن ، صار من هذا القبيل ، وفيه كلام يأتي من بعد .
علاج الغِبّ الخالصة يجب أن تتذكر ما أعطيناك من الأصول في علاج الحمّيات في الإسهال ، والغذاء وفي جميع الأبواب ، وتبنى عليها ولا تلتفت إلى قول من يرخص في الابتداء بالمسهلات القوية
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 53
مساهمون: أبو علي سينا
ص٥٣