وأما الوجه المذكور للقسم الآخر ، فيجب أن تراعي فيه باباً واحداً ، وهو أنه ربما كان الشريان ليس إنما اتصل بالقلب من جانب واحد من جانبيه ، حتى إذا سددته وحده أمنت ، بل ربما اتصل بالجانب الآخر شعبة من شريان آخر تعترض فيه وتؤدي الدم إليه من غير الطريق الذي سددته ، فيحتاج إلى سدين ، وقبل ذلك فيجب أن تعرف الجهة التي هي المبدأ للعرق ، ففي بعض المواضع يكون من أسفل كما في العنق ، وفي بعضها من فوق كما في الفخذ والرجل ، فإذا حصلت الجهة استعملت فيها الربط والشد ، ومن التدبير في ذلك أن يتوصل إلى إخراج العرق بصنارة أو بشق قليل للحم الذي يغطيه ويخفيه ثم تلفه ثم تستعمل له الأدوية التي نذكرها ، وإن كان ضارباً فالأولى أن تعصبه بخيط كتان ، وكذلك إن كان غير ضارب إلا أنه كبير لا يرقأ دمه ، فإذا فعلت ذلك ألزمته الأدوية وتركت الربط إلى اليوم الثالث والرابع ، وحينئذ فإن رأيت المواء المغري لازماً موضعه فلا تقلعه البتة ، ولكن ضع حواليه من جنسه شيئاً ينديه قليلًا .
وإن عرض له تبرء من تلقاء نفسه عند إزالتك ما فوقه ، فاضبط بإصبعك ما دون الموضع في طريق مجيء العرق ، واغمزه غماً تأمن من معه توثب الدم ، واقلع ما قد تبرأ منه وقلق في موضعه وبدله بغيره ، وتكون نصبتك للعضو في ذلك الوقت على ما ينبغي ، وهو أن تكون الفوهة أعلى من المبدأ ، حتى إذا كان مثلًا في أسافل المعي أو الرحم فرشت فراشاً يقل الأسافل ، وبطأ طيء الأعالي على أبعد ما يكون من الوجع ، ثم اتركه ثلاثة أيام يلزم هذه الوتيرة إلى أن يرقأ الدم .
وأما الردم بالإلقام فذلك إنما يمكن في الشريان العظيم بأن تتخذ فتيلة من وبر الأرنب أو نسج العنكبوت أو رقيق القطن أو خرق الكتان البالية ، ثم تذر عليها الأدوية المغرية والمانعة للدم ، وتدسّ في نفس الشريان كاللقمة ، ثم تشد عليه الرباط ، وربما استعملت الفتيلة من مثل وبر الأرنب وحده فكفت المؤنة ، ويجب أن تشد شداً لازماً لا يفارق حتى يلتحم .
وأما الفتيلة فالطبيعة تدبر أمرها في إخراجها قليلًا قليلًا ودفعها أو في غير ذلك .
وأما الردم بلا إلقام فبأن يوضع مثل ذلك الشيء في الفوهة ، ويشد عليها من غير إنفاذ له في العرق ، وأن تحبس بمثل الرفائد ، وخصوصاً الإسفنجية ، وبالعصابات القوية الشدً والشد الشديد بها بعكس الشد الذي يكون للجذب ، فإن الشد الأول يجب فيه أن يكون بقرب الفوّهة ، ثم يلفّ ذاهباً إلى خلف ، ويقلل الشد بالتدريج وهاهنا يكون بالخلاف .
واعلم أن شد الرفائد والعصائب إذا كانت ضعيفة جاء منها مضرة الشد وهو الجذب ، ولم تجىء منها منفعة الشدّ وهو الحبس والردم ، فيجب أن يتلطف في هذا الباب ، فإذا شددت شداً جيداً ، شددت أيضاً من الجانب المخالف لتميل المادة وتقاوم جذب هذا الشدّ ، وإنما يجب أن يبلغ بالشد المنع دون الإيلام ، اللهم إلا أن تحتاج إليه أولًا ثم ترخيه قليلًا قليلًا .
وكثيراً ما تحتاج أن تخيط الشق من اللحم ، وتضم شفتيه وتعصبه ، وكثيراً ما يكفي ضم الشفتين ، ووضع رفائد حافظة للضمّ عرفتها ، ثم شد على أدوية تنثر ملحمة .
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 228
مساهمون: أبو علي سينا
ص٢٢٨