فصل في الخراجات الحارة
والخراج من جملة الدبيلات ما جمع من الأورام الحارة ، فكان اسم الدبيلة يقع على كل تورم يتفرغ في باطنه موضع تنصب إليه مادة ما ، فتبقى فيه أية مادة كانت . والخراج ما كان من جملة ذلك حاراً ، فيجمع المدة وقد يبتدئ الورم الحار كما هو جمع وتفرق اتصال باطن ، وقد لا يبتدئ كذلك بل يبتدئ في ابتداء الأورام الحادة الصحيحة ، ثم يَؤول أمره عند المنتهى أن يأخذ في الجمع .
ولنؤخر الكلام في الدبيلات البارعة التي تحتوي على أخلاط مخاطية وجصية وحصويه ورملية وشعرية وغير ذلك ، وعلى أن من الناس من خص باسم الدبيلات ما فيه أخلاط من هذا الجنس .
لكنا الآن نتكلم فيما يجمع المدة ، فإن هذا ابتدأ إخراجاً لمادة دفعتها الطبيعة ، فلم يمكن أن تنفذ في الجلد ولا أن يتشربها اللحم ، بل فرقت لها اتصالًا لغلظها تفريقاً ظاهراً ، فاسكتنت في خلل ما يتفرق وفي الأكثر يظهر لها رأس محدد ، وخصوصاً إن كانت المادة حادة . وهذه الخراجات تبتدي فتجمع المدة ثم تنضج المدة ثم تنفجر ، وربما احتاجت إلى تقوية في الإنضاج والانفجار ، وربما لم تحتج .
وكلما كان الخراج أشدّ ارتفاعاً واحمراراً وأحد رأساً ، فالخلط المحدث له أشدّ حرارة ، وهو أسرع نضجاً وتحللًا وانفجاراً ، وخصوصاً الناتئ البارز الصنوبري ، وما كان بالخلاف مستعرضاً غائصاً قليل الحمرة فهو غليظ المادة ، رديء مائل إلى باطن قليل الوجع ثقيل الحركة ، وأردأ هذا ما كان انفجاره إلى باطن ، فيفسد ما يمر عليه ومنه ما يندفع إلى الجانبين ، وأحد انفجاره ما كان إلى التجويف الخاص بالعضو الذي له مسيل إلى خارج مثل خراج المعدة ، ولأن ينفجر إلى باطنه وتجويفه خير من أن يتفجر إلى ظاهره ، وإلى . التجويف المحيط به المراق .
وكما أن الانفجار الدماغي إلى التجويفين المقدمين أحمد ، لأن لهما منفذاً مثل منفذ الأنف والأذن والقمع إلى الفم ، وإذا انفجر إلى الفضاء المحيط بالدماغ أو إلى البطن المؤخر ، لم يجد منفذاً إلى خارج وأضر ضرراً شديداً ، وليس كل عضو صالحاً لأن يحدث فيه خراج ، فإن المفاصل يقلّ خروج الخراج فيها ، لأن فيها أخلاطاً مخاطية ، ومكانها واسع غير خانق للمادة ، ولا حابس ليخرج إلى العفن ، فإن خرج هناك خراج فلأمر عظيم وشر الخراجات وأخبثها ما خرج على أطراف العل الكثيرة العصب .
والخراجات تختلف مدة نضج مدتها بحسب الخلط في لطافته وغلظه ، والمزاج في حره وبرده واعتداله ، وبحسب الفصل والسن وجوهر العضو . وإنما لا ينضج الخراج ويستحيل ما فيه